المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس: هل حان وقت الانطلاق أخيرًا؟

 بعد نحو 18 عامًا على إنشائها، تعود المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس إلى واجهة الاهتمام الرسمي والاستثماري، وسط مؤشرات إلى إمكانية إطلاقها فعليًا خلال العام المقبل، في خطوة قد تشكل رافعة اقتصادية لشمال لبنان الذي يعاني من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة.

ففي الوقت الذي تتسارع فيه مشاريع إعادة تأهيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات وتطوير القدرات اللوجستية لمرفأ طرابلس، استعادت المنطقة الاقتصادية الخاصة موقعها ضمن أولويات الحكومة، بعدما بقيت طوال سنوات مشروعًا على الورق رغم إنشائها رسميًا عام 2008.

وتمتد المنطقة على مساحة 513 ألف متر مربع بمحاذاة مرفأ طرابلس، وتهدف إلى استقطاب الأنشطة الصناعية واللوجستية والتصديرية ضمن بيئة ضريبية وجمركية وإدارية محفزة للاستثمار، بما يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية في شمال لبنان وتحقيق توازن إنمائي مع العاصمة بيروت.

شراكة مع القطاع الخاص

كشف عضو مجلس إدارة المنطقة الاقتصادية الخاصة عبد المجيد رفاعي أن المجلس نجح خلال عام 2026 في تأمين نحو 214 ألف دولار لتمويل الدراسات والاستشارات اللازمة لإعداد نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بمساهمة جهات عدة من بينها غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، ومرفأ طرابلس، ومجموعة فتال، إضافة إلى مؤسسات أخرى.

وفي أيار الماضي، جرى اختيار شركة KPMG العالمية لتقديم الاستشارات المتعلقة بإعداد إطار الشراكة الخاصة بمشروع المركز الصناعي واللوجستي داخل المنطقة.

وبحسب الخطة الحالية، من المتوقع اختيار المشغل الخاص خلال الربع الأول من عام 2027، شرط استكمال الدراسات والإجراءات التنظيمية والحصول على الموافقات المطلوبة.

وسيتولى الشريك الخاص تطوير المشروع وتشغيله والترويج له، إلى جانب استقطاب المستثمرين والشركات الراغبة في العمل داخل المنطقة.

 إهتمام دولي متزايد

وفي مؤشر على تنامي الاهتمام بالموقع، أبدى برنامج الأغذية العالمي اهتمامًا بإمكانية إنشاء منصة للتخزين والخدمات اللوجستية داخل المنطقة، في ظل محدودية المساحات المتاحة في بيروت وقدرة شمال لبنان على استيعاب توسعات مستقبلية.

ويرى القائمون على المشروع أن أهمية المنطقة لا تقتصر على مدينة طرابلس فحسب، بل تمتد إلى تعزيز موقع لبنان كمركز لوجستي وتجاري في شرق المتوسط.

لماذا تأخر المشروع؟

رغم إقرار المشروع منذ عام 2008، إلا أنه لم يشهد أي تنفيذ فعلي حتى اليوم.

ويعزو المسؤولون هذا التأخير إلى مجموعة عوامل، أبرزها:

* عدم الاستقرار السياسي.
* الأزمة المالية والاقتصادية.
* التعقيدات الإدارية والمؤسساتية.
* غياب البنية التحتية الأساسية.
* تأخر استكمال الأطر التنظيمية والقانونية.

وتوضح وزيرة الداخلية السابقة ريا الحسن، التي ترأست مجلس إدارة المنطقة بين عامي 2015 و2019، أن الدراسات والمخططات التنظيمية كانت قد أُنجزت، لكن الموقع ظل يفتقر إلى البنى التحتية الأساسية مثل الطرق والكهرباء وشبكات الصرف الصحي والخدمات العامة.

وقدرت كلفة هذه الأعمال آنذاك بما بين 70 و80 مليون دولار، من دون أن تتمكن الدولة من تأمين التمويل اللازم.

كما أشارت الحسن إلى أن طرابلس لم تكن مدرجة فعليًا ضمن الأولويات الوطنية خلال تلك المرحلة، مضيفة أن بعض الجهات كانت تنظر إلى تنامي دور مرفأ طرابلس الاقتصادي باعتباره منافسًا لمرفأ بيروت.

تكامل مع المرفأ والمطار والسكك الحديدية

وتكتسب المنطقة الاقتصادية الخاصة أهميتها من ارتباطها بمشاريع استراتيجية أخرى في شمال لبنان.

فإلى جانب قربها المباشر من مرفأ طرابلس، يمكن أن تستفيد مستقبلاً من إعادة تشغيل مطار القليعات، ما يعزز موقع المدينة كمركز للتجارة والخدمات اللوجستية.

كما قد يشكل مشروع إعادة إحياء خط السكك الحديدية بين مرفأ طرابلس ومنطقة العبودية على الحدود السورية عنصرًا إضافيًا في تعزيز دور المنطقة، إذ سيوفر ربطًا بريًا مباشرًا مع سوريا وربما تركيا، إلى جانب الربط البحري القائم.

ويعتقد خبراء اقتصاديون أن هذه العناصر مجتمعة قد تجعل طرابلس بوابة رئيسية للتجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد، خاصة في حال انطلاق مشاريع إعادة الإعمار في سوريا خلال السنوات المقبلة.

فرص استثمارية ووظائف جديدة

وتراهن إدارة المنطقة الاقتصادية الخاصة على أن المشروع سيسهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز سلاسل القيمة المحلية.

كما يجري التحضير لتوقيع اتفاقيات تعاون مع عدد من المؤسسات العامة والخاصة، من بينها مرفأ طرابلس، وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال، ونقابة المهندسين في الشمال، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمركز اللبناني للتحكيم والوساطة.

وبينما بقي المشروع مجمدًا لما يقارب عقدين من الزمن، تبدو المؤشرات الحالية أكثر إيجابية من أي وقت مضى. غير أن نجاح المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس سيبقى مرهونًا بقدرة الدولة على استكمال الإصلاحات المطلوبة، وتوفير البيئة القانونية والإدارية والبنية التحتية اللازمة لتحويل المشروع من رؤية مؤجلة إلى واقع اقتصادي منتج.