المصدر: orient le jour
الكاتب: منير يونس
الجمعة 23 كانون الثاني 2026 17:43:21
منذ أن أقرت الحكومة وأحالت إلى البرلمان مشروع القانون المتعلق باستعادة الانتظام المالي وردّ الودائع في أواخر شهر كانون الأول، تتصاعد الانتقادات وتتعدد. إلا أنها ليست موحدة؛ فمن المصرف المركزي إلى مختلف النقابات المهنية، مروراً بالأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية، يتفحص كل طرف النص بناءً على أولوياته ومخاوفه ومصالحه. وبعيداً عن الحجج المعلنة، يكشف تنوع الاعتراضات عن استمرار "معركة الروايات" القائمة منذ بداية الأزمة.
مصرف لبنان في الخطوط الأمامية
الاحتجاج الأكثر تأثيراً هو ذلك الصادر عن مصرف لبنان، ليس فقط لأن المؤسسة تقع في قلب الأزمة، بل لأنها تظل الطرف الذي لا غنى عنه لتنفيذ أي حل. وبحسب معلوماتنا، فإن نواباً أعضاء في لجنتي الإدارة والعدل والمال والموازنة ينسقون مواقفهم بالفعل مع حاكم مصرف لبنان، كريم سهيد، من أجل تعديل المشروع "جذرياً". وثمة سابقة قريبة؛ ففي نهاية تموز الماضي، تم تعديل قانون إعادة هيكلة المصارف بشكل جوهري بعد تحكيم مال لصالح المقاربة التي دافع عنها مصرف لبنان.
تتركز مآخذ مصرف لبنان حول ثلاثة مطالب:
أن تعترف وزارة المالية بما يعتبره ديناً بقيمة 16.5 مليار دولار، والأهم من ذلك أن تلتزم بسداد هذا المبلغ "بطريقة أو بأخرى" لتخصيصه لاستعادة الودائع. ويكمن خلف ذلك سؤال سياسي يتعلق، مرة أخرى، بالمسؤولية عن "الفجوة المالية".
الاعتراض الثاني يتعلق بالجدول الزمني، وبالتالي بمصداقية الآلية. ينص المشروع على إعادة 100,000 دولار لكل مودع خلال أربع سنوات؛ بينما يطالب مصرف لبنان بتوزيعها على ست سنوات، معتبراً المهلة الأولى غير واقعية بالنظر إلى السيولة المتاحة. المبالغ المعنية ضخمة، حيث تصل الكتلة المالية المطلوبة إلى 20 مليار دولار، يتحمل مصرف لبنان 60% منها والمصارف 40%.
الانتقاد الثالث يقع في منطقة حساسة للغاية وهي "تراتبية الخسائر"، وهو أحد المبادئ التي يعتبرها صندوق النقد الدولي ركيزة أساسية. يسعى البنك المركزي لانتزاع دعم غير مشروط من السلطة التنفيذية في مواجهته مع صندوق النقد. عقيدته بسيطة: عدم فتح ملف كفاية الأموال الخاصة ولا ملف زيادة رأسمال المصارف ما لم يتم "تطهير" النظام مسبقاً من العمليات التي توصف بأنها "غير نظامية".
الجبهة المصرفية والهيئات الاقتصادية
يلتقي جمعية المصارف مع مصرف لبنان في نقطتين: رفض شطب الرساميل الخاصة، والتشكيك في القدرة على إعادة 100,000 دولار لكل مودع خلال أربع سنوات بسبب نقص السيولة. وتقف الهيئات الاقتصادية، وهي المنظمة الرئيسية لأصحاب العمل، إلى جانبهما. ومنذ عام 2020، تعمل هاتان الكتلتان معاً ضد أي حل لا يحمّل الدولة الجزء الأكبر من الخسائر. كما تعترضان على بنود تمس أعضاءهما مباشرة، مثل فكرة فرض تعويضات على من سددوا قروضاً بالدولار على سعر صرف الليرة، وكذلك على من حولوا أموالاً إلى الخارج بمبالغ تقدر بعشرات المليارات.
من جهتهم، يركز ممثلو المهن الحرة (النقابات) على جانب آخر وهو الحماية الاجتماعية، ويطالبون بإعطاء الأولوية في السداد لودائع صناديق التعاضد والتقاعد المهنية.
المودعون: معسكر مشتت
أما من جهة المودعين، فالصورة مشوشة لأن تمثيلهم متشرذم. التقت جمعيتان مؤخراً برئيس الحكومة نواف سلام؛ حيث شددت "جمعية المودعين" وجمعية "صرخة المودعين" (Notre argent est à nous) على تعزيز بنود المساءلة والمحاسبة، وحماية المودعين الصغار والمتوسطين. في المقابل، تركز جمعية "صرخة المودعين" على مسؤولية الدولة وتدافع عن استرداد الودائع "بلا محرمات"، وصولاً إلى طرح فكرة بيع جزء من احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان. وهو موقف يتقاطع مع الحجج التي تسوقها بعض المصارف وكبار المودعين حول استخدام الأصول العامة، لكنه يواجه معارضة واسعة، خاصة وأنه سيفيد بالدرجة الأولى كبار المودعين الذين يمثلون أقل من 3% من الإجمالي لكنهم يملكون أكثر من نصف الودائع.
وعلى صعيد المجتمع المدني، تطالب منظمات مثل "كلنا إرادة" و"المفكرة القانونية" بمزيد من آليات المساءلة وتوزيع للأعباء يتوافق مع المعايير الدولية، بحيث تتحمل المصارف حصتها العادلة. وتدعو أصوات أخرى، لا سيما بين النواب "التغييريين"، إلى تسريع أو زيادة السداد لفئات معينة: المتقاعدين، كبار السن، أو المودعين الذين تتراوح حساباتهم بين 100,000 و500,000 دولار، وهي شريحة توصف بالطبقة الوسطى، وتعتبر حيوية للاقتصاد ويجب حمايتها أسوة بصغار المودعين.
الحسابات البرلمانية والانتخابية
في البرلمان، تنظم المعارضة نفسها أيضاً على أسس حزبية. أعلنت القوات اللبنانية، وحزب الله، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر رفضهم للنص بتبريرات مختلفة، لكنها تلتقي حول شعارات عامة: إعادة كافة الودائع بسرعة، تحميل الدولة مسؤولياتها، والمساهمة في السداد. وغالباً ما تتوقف التصريحات عند الأسئلة الشائكة: الجدوى، والعدالة بين الفئات، والآليات، وخاصة الجدل حول استخدام الأصول العامة – بما في ذلك الذهب – لتمويل السداد.
البعد الانتخابي حاضر دوماً؛ فمع اقتراب الانتخابات التشريعية، ليس من مصلحة القوى السياسية تبني خطاب غير شعبي، خاصة إذا كان يهدد بإغضاب كبار المودعين الذين يوجد بينهم ممولون وداعمون لهذه القوى.
صندوق النقد الدولي كحكم مستتر
ويبقى الحكَم في هذه القضية هو صندوق النقد الدولي. ورغم عدم صدور أي بيان رسمي عنه، إلا أن بعض المسؤولين أفصحوا عبر وسائل الإعلام عن رغبتهم في رؤية تعديلات جوهرية على القانون، بما يضمن مواءمته تماماً مع المعايير الدولية.
وبحسب معلوماتنا، تتركز ملاحظات صندوق النقد الدولي بشكل خاص على ثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: ضرورة إجراء تدقيق في الميزانيات العمومية لمصرف لبنان والمصارف التجارية لتحديد حجم الخسائر بدقة.
ثانياً: الالتزام الصارم بـ "تراتبية الخسائر"، بحيث يبدأ الأمر بشطب الرساميل الخاصة للمصارف (حقوق المساهمين)، قبل البدء بإعادة هيكلة المصارف التي تُعتبر قابلة للاستمرار، وهو ما يتطلب ضخ رؤوس أموال جديدة فيها.
أخيراً: وضع حدّ سياسي واقتصادي في آن واحد؛ وهو عدم تحميل الدولة أعباءً تفوق قدراتها، لتجنب وقوعها مجدداً في دوامة العجز عن السداد.
في المحصلة، تبدو حركة الاعتراض شبه شاملة، ومع ذلك، فهي تصطدم بعامل حاسم: مستوى الضغوط الدولية لفرض إقرار النص، في ظل استمرار تعذر التوصل إلى توافق لبناني داخلي، كما هو الحال دائماً.