المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الأربعاء 15 تموز 2026 07:43:44
لم يحبّذ لبنان انتقال المفاوضات بينه وبين إسرائيل إلى خارج العاصمة الأميركية وحتى إلى عواصم دول صديقة، على رغم الإرهاق الذي قد يسببه السفر إلى الولايات المتحدة بالنسبة إلى الوفد اللبناني في كل جولة مفاوضات يمكن أن تعقد بينه وبين إسرائيل.
حرص لبنان منذ البدء على التشدد في ذلك من أجل إبقاء الرعاية الأميركية للمفاوضات قوية وتحت أعين الخارجية الأميركية ومظلتها، خشية أن تضعف الدينامية المرافقة وتدخل مسار المراوحة في حال بروز عراقيل كبيرة. لذلك يبدو انتقال المفاوضات إلى إيطاليا انتقالا إلى مرحلة تالية، وليس واضحا تماما إذا كانت زيارة الرئيس جوزف عون لواشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمكن أن تعيد قوة المظلة الأميركية المباشرة للمفاوضات وتعطيها زخما، ولا سيما أن انعقاد جولة اليوم وغدا في روما يسبق هذه الزيارة.
وفيما بذلت جهود كثيفة علنية وضمنية على مستويات مختلفة لتأمين موعد للرئيس عون ولقاء نظيره الأميركي في البيت الأبيض، ولا سيما أن تأخير اللقاء الموعود كان سينعكس سلبا على نحو كبير على لبنان في ظل اللقاءات المتعددة التي عقدت بين ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، أو دعوة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى زيارة واشنطن فور تسلمه منصبه قبل ما يزيد على شهرين، فإن الزيارة لا يمكن أن تقتصر على العناوين المعروفة للموقف اللبناني أو ثوابته فحسب. وحين أثار الرئيس الأميركي احتمال دعوة الرئيس عون إلى البيت الأبيض للمرة الأولى، فقد أرفق ذلك بعقد لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على طريق معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل. وكان الأمر مثيرا لترامب على خلفية احتمال تحقيقه سلاما بين دولة عربية جديدة وإسرائيل بعد عقود من الحروب والنزاعات، لكن فرملة هذه الاندفاعة الترامبية نتيجة رفض الرئيس عون لقاء نتنياهو في التوقيت والظروف غير المناسبة، خفضت اهتمام الرئيس الأميركي الذي يصعب جذب اهتمامه خارج عناوين جذابة تتوج صفقة ما.
فالشكوى من الاحتلال الإسرائيلي والطلب منه الضغط لضمان الانسحاب من لبنان قد لا يكونان وحدهما كافيين ما لم ترافقهما تعهدات بضمان أمن إسرائيل ومنع تهديدها من لبنان، فيما تحرص إيران على مواصلة استخدام لبنان، أقله حتى الأشهر الأخيرة، لمصالحها، من دون قدرة له على ردع محاولاتها المستميتة لإبقاء ورقة "حزب الله" حية وقوية وفاعلة لها.
من هذه الزاوية بالذات يرى البعض أن من أبرز الأوراق القوية للرئيس اللبناني أن مساعدة الولايات المتحدة للبنان تشكل انتزاعا جذريا له من السلة الإيرانية وقطعا لنفوذها فيه، في خضم الحرب الأميركية - الإيرانية القائمة، بالإضافة إلى إبعادها على نحو جذري عن الحدود مع إسرائيل بما يساهم في ضمان أمن الأخيرة، في الوقت الذي يمهد ذلك لضمان الاستقرار الإقليمي عبر لبنان الذي يبقى الحلقة الأهم في هذا الإطار.
لا تحتمل زيارة عون لواشنطن ألا تشكل علامة فارقة في ولايته من جهة، وبالنسبة إلى لبنان من جهة أخرى، في حين يخشى كثر محاولات تجويف المواقف التي يحملها من خلال تظهير انقسامات قوية تطعن بوحدة الموقف الذي يجب أن يمثله رئيس الجمهورية في ظل الحملة الشعواء التي يشنها عليه مسؤولو "حزب الله". وعلى رغم معرفة الأميركيين الدقيقة بالوضع اللبناني، فإن الولايات المتحدة ليست بمثابة كاريتاس، خصوصا في عهد ترامب، فيما الالتزامات التي يمكن أن يقدمها عون قد تتطلب أكثر بكثير من النيات الطيبة والإرادة الوطنية، علما أن تضغط الولايات المتحدة لم تضغط حتى الآن بما يكفي على إسرائيل لاحترام الاتفاق الذي وقعته مع لبنان.
والواقع أن إسرائيل تصعّب على إدارة ترامب إعطاء الدولة اللبنانية ورقة قوة بامتناعها عن وقفٍ نهائيٍ للعمل العسكري على ساحته، والانسحاب منه من دون نزع سلاح "حزب الله"، وأكثر من ذلك، بمحافظتها على خطاب تصعيدي يرجح كثر أنه مرتبط بانتخاباتها المقبلة، لكنه في الواقع بمثابة موسيقى في أذن "حزب الله" وإيران.