المصدر: eremnews
الكاتب: مالك الحافظ
الخميس 28 أيار 2026 15:55:51
أخذ التصعيد الإسرائيلي في جنوبي لبنان منحى عملياتيًا أوسع مع اتساع الضربات الجوية، وتكثيف الحضور البري، وإعلان تل أبيب السيطرة على مناطق استراتيجية داخل الجنوب.
وتجاوز هذا المسار حدود الرد الموضعي إلى تثبيت حضور عسكري تريد إسرائيل إدخاله في الحسابات الأمنية لجولة مفاوضات واشنطن المنتظرة.
وجاءت تصريحات يوم أمس الأربعاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تكثيف الضربات، لتعطي هذا المسار غطاءً سياسيًا واضحًا؛ إذ باتت تل أبيب تربط عملياتها الجارية بمطلب إنهاء استخدام المنطقة الحدودية ضمن شبكة النفوذ الإيراني في لبنان، وبحاجة إسرائيل إلى ضمانات ميدانية أعمق قبل أي ترتيبات أمنية مقبلة.
ويقول مصدر سياسي مقرب من الرئاسة اللبنانية لـ"إرم نيوز" إن إسرائيل تحاول نقل ما حققته عسكريًا في الأيام الأخيرة إلى طاولة واشنطن، عبر التعامل مع وجودها البري والسيطرة على نقاط استراتيجية كأوراق ضغط سياسية، مستفيدة من استمرار السلاح غير الشرعي خارج سلطة الدولة ومن قدرة النفوذ الإيراني على إبقاء الجنوب جزءًا من حسابات لا تخدم المصلحة اللبنانية.
تثبيت الانتشار في الجنوب
وتتزامن تصريحات نتنياهو مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن توجه الجيش إلى "زيادة القوة" في لبنان، وعن مداولات داخلية شارك فيها رئيس الأركان إيال زامير بعد تقييم ميداني في قيادة الشمال، مع تركيز إسرائيلي على الرد على المسيّرات والأهداف التي تصفها تل أبيب بأنها بنى عملياتية لحزب الله، فيما نقلت "جيروزاليم بوست" عن مسؤول أمريكي قوله إن الوضع القائم لم يعد قابلًا للاستمرار.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي وسّع عملياته خلف ما تسميه تل أبيب "الخط الأصفر"، وهو نطاق انتشار عسكري داخل جنوب لبنان تقدّر تقارير دولية عمقه بما بين 5 و10 كيلومترات من الحدود، ويشمل عشرات القرى التي وضعتها إسرائيل ضمن منطقة محظورة على السكان.
ويتزامن ذلك مع تنفيذ أكثر من 120 ضربة في الجنوب والبقاع، بحسب "رويترز"، في واحدة من أوسع موجات القصف خلال الأسابيع الأخيرة، ومع تقارير "أسوشيتد برس" عن اشتباكات قرب نهر الليطاني قبل أيام قليلة من محادثات أمريكية مقررة في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وتتعامل إسرائيل مع الجنوب اللبناني كرقعة عسكرية واسعة تجمع فيها بين القصف الجوي، والحضور البري، وهدم البنى العسكرية، وملاحقة المخازن والممرات، وفرض الإخلاءات المتكررة.
ويأخذ "الخط الأصفر" وظيفة عملية داخل هذه الحركة باعتباره نطاقًا تستخدمه تل أبيب لترتيب ضرباتها وتثبيت حضورها داخل الأراضي اللبنانية.
دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني
وبحسب المصدر السياسي اللبناني، فإن فريقًا رسميًا لبنانيًا يعمل على صياغة ورقة أمنية لجولة واشنطن تتضمن تثبيت انتشار الجيش اللبناني في القرى التي شهدت إخلاءات وتوغلات، وتوسيع آلية المراقبة الميدانية بالتنسيق مع الجهات الدولية، وربط أي ترتيب أمني جديد بوقف العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
وكشفت الصحافة الإسرائيلية في الساعات الأخيرة عن ضغط سياسي متزايد داخل حكومة نتنياهو؛ إذ دعا وزراء من اليمين إلى ضربات أوسع في لبنان.
وسبق أن طرح الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش الليطاني كحد أمني جديد، بينما استخدم الوزير المتطرف الآخر إيتمار بن غفير لغة تصعيدية تجاه بيروت.
وتمنح هذه المواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي هامشًا أوسع في رفع سقف العمليات قبل المسار الأمني في واشنطن.
الورقة اللبنانية
ويرى المحلل السياسي اللبناني أسعد بشارة أن إسرائيل تحاول في واشنطن تثبيت معادلة عمل واضحة داخل الجنوب، قائمة على ربط أي انسحاب أو خفض للعمليات بانتشار لبناني قابل للقياس على الأرض، وهذا يضع ورقة الجيش اللبناني في موقع أساسي داخل أي تفاوض مقبل.
واعتبر خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن الورقة اللبنانية تستطيع أن تكسب وزنًا أكبر في واشنطن عندما تنقل البحث من شروط إسرائيل إلى مسؤولية الدولة اللبنانية في إدارة الجنوب، عبر خطة انتشار واضحة للجيش تمنع حزب الله من إبقاء الحدود جزءًا من الحسابات الإيرانية، وتمنع إسرائيل في الوقت نفسه من التعامل مع الجنوب كمساحة مفتوحة للتدخل العسكري المتكرر.
بين ضغط نتنياهو والنفوذ الإيراني
يرى المصدر السياسي اللبناني أن اتصالات بيروت تتابع كيفية توظيف نتنياهو ضغط اليمين داخل حكومته في مخاطبة واشنطن؛ إذ يقدم استمرار العمليات باعتباره خيارًا ضروريًا للحصول على ضمانات أوضح جنوب الليطاني، بينما تعمل بيروت على منع تحويل هذا الضغط الداخلي الإسرائيلي إلى شروط ثابتة في أي ترتيب أمني مقبل.
ويقول إن النفوذ الإيراني في لبنان بلغ مرحلة مكلفة للدولة؛ لأن طهران تحتفظ عبر حزب الله بورقة ضغط مرتبطة بمسارها مع واشنطن، فيما تتحمل المؤسسات اللبنانية نتائج هذا الاستخدام عبر اتساع الضربات وتعقيد مهمة الجيش وإضعاف قدرة بيروت على تثبيت موقف أمني موحد أمام الشركاء الدوليين.
وترتبط هذه النقطة مباشرة بمسار البنتاغون، حيث تكتسب الجولة الأمنية المقبلة أهمية تتجاوز وقف النار والتوغلات الإسرائيلية؛ لأن واشنطن ستقارب الملف اللبناني من زاوية تشمل إيران وحرية الحركة الإسرائيلية ومستقبل سلاح حزب الله وقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ انتشار فعلي جنوب الليطاني؛ ما يجعل الاجتماع محطة مؤثرة في تحديد شكل المرحلة التالية في الجنوب.
ويؤكد المصدر أن الموقف اللبناني في المرحلة المقبلة يحتاج إلى الجمع بين المطالبة بوقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وتقديم مسار واضح لتثبيت سلطة الجيش ومنع عودة البنى المسلحة التابعة لحزب الله إلى المناطق الحدودية، بما يتيح لبيروت تحويل مطلب السيادة إلى خطة عملية قابلة للدعم الدولي.