المصدر: النهار
الكاتب: إسراء حسن
الأحد 12 نيسان 2026 11:45:18
في زمن الحرب، لا تعيش النساء الحوامل تجربة الأمومة كما نعرفها، بل تتحوّل هذه الرحلة إلى مواجهة يومية مع الخوف والقلق وعدم اليقين. داخل هذا الواقع القاسي، لا يقتصر الأثر على الأم وحدها، بل يمتدّ إلى الجنين، الذي يتشكّل في بيئة مضطربة، ويتأثر بكل ما تعيشه من ضغوط نفسية وجسدية.
يقول الطبيب الاختصاصي في الجراحة النسائية والتوليد والصحة الجنسية في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت فيصل القاق: "الحمل بحد ذاته حالة من الضغط على المرأة، وبالتالي هو أيضاً حالة ضغط على الجنين، بسبب التغيرات الكبيرة التي تطرأ على جسم الأم وتؤثّر فيه." إلا أن هذا الضغط يتضاعف في ظروف الحرب، حيث يصبح التوتر مزمناً، لا يشبه الخوف العابر الذي يستطيع الجسم التكيّف معه.
ويضيف: "الخطر الأكبر ليس في الحوادث العابرة، بل في التوتر المستمر. نحن اليوم أمام أسابيع من القصف والنزوح والقلق، وهذا يرفع مستويات هرمونات التوتر بشكل دائم، ما يؤثر على الجنين في كل مراحل نموه."
هذا التوتر المزمن لا يمرّ من دون أثر، بل ينعكس مباشرة على الجنين، من حيث نموه الجسدي وتطوّر دماغه وقدراته الإدراكية. وفي كل مرحلة من الحمل، يتخذ التأثير شكلاً مختلفاً، ما يجعل الأثر تراكمياً ومعقّداً في آن واحد.
ولا تتوقف هذه التأثيرات عند الولادة. يشرح الطبيب: "أثبتت الدراسات أن الجنين الذي يتعرض لتوتر مستمر داخل الرحم، يكون لاحقاً أكثر عرضة للقلق، واضطرابات السلوك، ومشاكل الإدراك." ويستشهد بتجربة تاريخية قائلاً: "الأطفال الذين وُلدوا خلال فترة المجاعة في هولندا بعد الحرب العالمية الثانية، ظلوا يعانون من آثار نفسية وصحية حتى مراحل متقدمة من حياتهم."
في لحظات الخطر المباشر، كالغارات، تبلغ هذه التأثيرات ذروتها. يوضح الطبيب: "هذا ليس خوفاً عادياً. عندما تعيش الأم لحظة ذعر حقيقي، يستجيب جسدها فوراً، وهذه التغيرات تنتقل مباشرة إلى الجنين."
ومع تصاعد وتيرة النزوح، تكشف الأرقام حجم الأزمة. يشير القاق إلى أن عدد النساء والفتيات النازحات داخلياً في لبنان يبلغ نحو 620 ألفاً، من بينهن أكثر من 13 ألف امرأة حامل، يعشن يومياً تحت ضغط القصف وظروف الإيواء القاسية، ما يضاعف من حجم المخاطر الصحية والنفسية عليهن وعلى أجنتهن.
ورغم قسوة الواقع، يشدد الطبيب على أن التخفيف من التوتر ممكن، ولو جزئياً، عبر خطوات بسيطة: "نطلب من الحامل أن تحاول، قدر الإمكان، خلق لحظات هدوء. حتى نصف ساعة يومياً من التنفس العميق أو التأمل يمكن أن تُحدث فرقاً."
ومن بين الوسائل التي يوصي بها:
- تخصيص وقت يومي للاسترخاء والتنفس العميق
- الاستماع إلى موسيقى هادئة
- ملامسة البطن بلطف لتعزيز الشعور بالأمان
- المشي لمسافات قصيرة
- محاولة الحفاظ على نوم منتظم
ويؤكد: "هذه الأمور قد تبدو بسيطة، لكنها تساعد فعلياً في خفض مستويات التوتر، وهذا ينعكس إيجاباً على الجنين."
إلى جانب ذلك، تبقى المتابعة الطبية عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه. فزيارة الطبيب، حتى في الظروف الصعبة، تساهم في طمأنة الحامل وتخفيف قلقها. كما أن الدعم النفسي، خصوصاً من الزوج، يلعب دوراً مهماً في هذه المرحلة.
لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه النساء الحوامل اليوم يتجاوز الخطر المباشر، ليصل إلى الشعور العميق بعدم اليقين. يقول الطبيب: "أصعب ما تعيشه الحامل اليوم هو الغموض… عدم معرفة ما سيحدث غداً."
هذا الغموض يفتح الباب أمام مخاوف كبيرة، تتراوح بين القلق على مصير الطفل، والخشية من عدم القدرة على تأمين الرعاية له، وصولًا إلى تساؤلات مؤلمة حول جدوى الإنجاب في ظل هذه الظروف.
محاذير لا يجب تجاهلها
وسط هذا الضغط، هناك أعراض تستدعي تدخّلًا طبيًا فوريًا، كما يوضح الطبيب: "هناك علامات لا يمكن الانتظار معها، ويجب التوجه فوراً إلى الطوارئ." ومن أبرزها:
- نزيف مهبلي
- نزول السائل الأمنيوسي
- ألم شديد في البطن
- ارتفاع في الحرارة
- دوخة أو فقدان وعي
- تشوش في الرؤية
- تقيؤ حاد أو تعب مفرط
ويشدد: "هذه الإشارات لا يمكن تأجيلها أو تجاهلها، لأن التأخير قد يشكل خطراً على الأم والجنين."