17 أيار 2026 : قمة لبنانية - إسرائيلية بعد حرب

حرّكت إسرائيل أمس موضوع القمّة التي تجمع الشهر المقبل في واشنطن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع رئيس الجمهورية جوزاف عون برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكان الرئيس ترامب نفسه سئل بعد استضافته الجولة الثانية من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في البيت الأبيض الأربعاء الماضي، عن موعد عقد الاجتماع بين نتنياهو وعون، فأعرب عن أمله في أن يتم ذلك خلال تمديد الهدنة الذي يستمر ثلاثة أسابيع.

من المهم الإشارة الى أن بدء سريان فترة الهدنة التي من المقرّر أن تستمر ثلاثة أسابيع سيبدأ غدًا الاثنين بعدما ينقضي اليوم الأحد أجل فترة الهدنة السابقة التي امتدت 10 أيام. وإذا ما جرى حساب فترة الهدنة الجديدة يتبيّن أنها تنتهي في 17 أيار المقبل. أفلا يذكرنا هذا التاريخ بموعد تاريخي حدث قبل 43 عامًا؟

في أي حال، أطلق أمس موقع i24NEWS الإسرائيلي الإلكتروني نبأ القمة قائلًا: "من المرجح أن يسافر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن خلال حوالي أسبوعين ونصف لعقد قمة مع الرئيس اللبناني عون خلال الأسبوع الذي يبدأ في 11 أيار. ستعقد القمة فقط إذا سمح الوضع الأمني في المنطقة لنتنياهو بمغادرة إسرائيل."

حملت عبارة "إذا سمح الوضع الأمني في المنطقة" في نبأ الموقع الإسرائيلي تساؤلات وتكهنات. فأشار بعضها إلى أن حربًا جديدة ستنشب في المنطقة ستخلط الأوراق. لكن، وبعد ساعات قليلة أطلق الموقع نفسه أن الجيش الإسرائيلي وبناء على أمر من نتنياهو سيضرب بـ"قوة" مواقع "حزب الله" في لبنان "بعد عدة انتهاكات لوقف إطلاق النار" وفق تعبير الموقع، فيما أفادت وسائل إعلامية إسرائيلية أخرى أن ما أمر به نتنياهو أتى "بعدما أطلق "حزب الله" صواريخ وطائرات بدون طيّار على شمال إسرائيل والقوات المتمركزة في جنوب لبنان أمس." وقالت: " ينفذ "حزب الله" عدة هجمات يوميًا على القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان وسط وقف إطلاق النار، بينما يدّعي أنه يردّ على انتهاكات مزعومة من إسرائيل للهدنة".

في المقابل، تمضي إسرائيل في مخططها لإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان كي تثبّت واقعًا جديدًا يلغي ما سبقه من أوضاع سادت الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلي في أيار عام 2000 تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 425.

تورد مجلة "الايكونوميست" في عددها الحالي لهذا الأسبوع ما قاله دان ميريدور، وزير سابق من حزب الليكود بقيادة نتنياهو، والذي كلف في 2006 بمراجعة عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية: "الجمهور الإسرائيلي لا يريد أن يسمع الآن أنه لا يمكنك فقط تدمير "حماس" أو "حزب الله"، أو إسقاط النظام في بلد ضخم مثل إيران. يريدون أن يسمعوا أن الجيش الإسرائيلي قادر على كل شيء. لكن طالما أن الأهداف غير واقعية والحلول الوحيدة عسكرية فقط، فنحن محكوم علينا بالفشل." وتضيف المجلة: "لقد سبّبت مجازر 7 تشرين الأول 2023 صدمة للإسرائيليين وقادتهم العسكريين. ومع ذلك، لم يواجه السياسيون والجنرالات الإسرائيليون حتى الآن أي حساب بسبب فشل الردع والتحذير المبكر، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى استمرار الحروب. ورفض نتنياهو، الذي حرص على الحفاظ على تماسك تحالفه اليميني المتطرف، الذي يضم وزراء دعوا إلى التطهير العرقي في غزة وجنوب لبنان، تعيين لجنة تحقيق مستقلة. وفي الوقت نفسه، ظهرت عقيدة غير رسمية جديدة أعيد فيها تعريف مفهوم العمل الاستباقي. وبحسب ذلك، إذا لم تعد إسرائيل قادرة على الاعتماد على كشف نوايا الأعداء، فعليها أن تتصرف في وقت أبكر ضد قدراتهم. ويوجه هذا المبدأ حروبها مع إيران واحتلال "المناطق الأمنية" داخل غزة ولبنان وحتى سوريا، رغم أن الحكومة الجديدة في دمشق تحاول التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل. ويشتكي كبار ضباط الجيش الإسرائيلي من اضطرارهم لخوض حروب دون استراتيجية شاملة. لكن علنا انسجموا مع صراع نتنياهو المفتوح."

وتخلص "الايكونوميست" إلى ما يقوله أور رابينوفيتز، خبير الاستراتيجية الإسرائيلية في جامعة ستانفورد: "كان الجيش الإسرائيلي قادرًا على كبح السياسيين. لكن الجنرالات الآن مرعوبون جدًا من فشلهم في 7 تشرين الأول في معارضة أسوأ اتجاهات الحكومة. لا يستطيعون حتى كبح جنودهم الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية على مهاجمة الفلسطينيين. القيد الوحيد الآن هو قدم ترامب على الفرامل."

وهكذا، تقود كل الدروب الى سيّد البيت الأبيض الذي ينهمك الآن في كيفية التعامل مع الملف الإيراني الذي اشارت تطوراته أمس إلى أنه يتأرجح مجددًا فوق حبال الحرب والتسوية في آن. وتترافق احتمالات الحرب التي تتصاعد فرضها مجددًا مع ما ينتظر لبنان في هذه المرحلة المعقّدة. وأظهرت طهران أنها تعتمد على "حزب الله" كي توسّع دائرة الحرب في حال تجددت. وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي زار أمس إسلام آباد أشار إلى "استمرار جرائم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة واعتداءاته المتكررة على السيادة الوطنية وسلامة الأراضي اللبنانية، مثمناً مواقف باكستان، حكومةً وشعبًا، في دعم وتضامنها مع الشعب الفلسطيني المظلوم، والاهتمام الباكستاني الخاص بتنفيذ تفاهم وقف إطلاق النار بشأن لبنان" .

بالعودة الى 17 أيار، فهو يوم اشتهر عام 1983 بأنه جرى خلاله التوصل إلى مشروع اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت في عام 1982. لكن الظروف الإقليمية في ذلك الزمن حالت دون ابرام المشروع.

لكن، 17 أيار 2026 الذي تفصلنا عنه 3 أسابيع هو يوم آخر في تاريخ لبنان والمنطقة والعالم. وبدا الرئيس الأميركي مسبقا أنه عازم على صناعة تاريخ جديد كما تظهر أحداث المنطقة منذ العام الماضي. وعليه، سيكون لبنان على موعد جديد في تاريخ قديم. فهل تصبح الصورة التي جمعت سفيرة لبنان مع سفير إسرائيل في جولتيّ مفاوضات صورة قمة لبنانية - إسرائيلية برعاية الرئيس ترامب؟