4 باباوات زاروا لبنان وكل زيارة مرآة لزمنها

"الحرب قبل زيارة البابا أو بعدها؟"، "أورتاغوس في لبنان بعد مغادرة البابا"، "هل سيوبّخ البابا قيادات كنسيّة أخطأت؟"، "هل يسمعه المسؤولون في لبنان؟"… أسئلة وعناوين تتكرّر منذ الإعلان الرسمي عن زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، وكأن كل حدث في هذا البلد بات يتمحور حول تلك الزيارة، وكأنها ترسم خطًا فاصلًا بين ما قبلها وما بعدها. عمليًا، ليس للفاتيكان جيوشٌ ولا أساطيل ولا تحالفات تضغط على خرائط العالم كما تفعل الدول العظمى. قوّته ليست في السلاح ولا في الاقتصاد، بل في تأثير معنوي وأخلاقي وروحي، يجعل صوته قادرًا وحده على تحريك ضمير العالم، وتذكيره بأن الدبلوماسية تُصنع أحيانًا بالكلمة، وأن الشرعية الأخلاقية قد تكون أبلغ من كلّ ترسانات السلاح.

يحلّ البابا لاوون الرابع عشر ضيفًا على لبنان بعد تركيا في أولى زياراته خارج روما، حاملاً شعار: "طوبى لفاعلي السلام". زيارة تأتي في لحظة يقف فيها لبنان على مفترق طرق مصيري بين اللاشرعيّة والحروب والأزمات المفتوحة من جهة، وفرصة استعادة قرار الدولة والعودة إلى حضن المجتمع الدولي من جهة أخرى. وهي زيارة تعيد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من زيارات الأحبار إلى لبنان، حيث كانت كلّ زيارة مرآة لزمنها.

فالزيارة الأولى في 1964، حين حطّ البابا بولس السادس في مطار بيروت، شكّلت حدثًا استثنائيًا في وطن كان في أوج ازدهاره. تلك الوقفة القصيرة ثبّتت موقع الكنيسة اللبنانية في قلب الكرسي الرسولي ورسّخت اهتمام الفاتيكان بلبنان الذي اعتُبر يومها أرضًا للحرية والتلاقي.

أمّا الزيارة الثانية في أيار 1997، فحُفرت عميقًا في الذاكرة الجماعية. جاء البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان تحت سطوة النظام الأمني السوري، والمسيحيون يشعرون أنهم تُركوا وحدهم. واكبته تظاهرة كبيرة حينها اعتبرت الأكبر في تاريخ لبنان وهتف له الألوف: "حرية! سلام!" رفع الشباب شارات سودًا في حريصا ليقولوا للبابا إن أصواتهم تُقمع وإن شعار "حرية، سيادة، استقلال" كان يُواجَه بالاعتقال. نظر إليهم البابا بنظرة احتضان، وخرج عن النصّ قائلًا: "يا شباب لبنان، لا تقيموا حواجز جديدة… اهدموا جدران الخوف، كل شيء يتغيّر فللشدّة وقت... ويأتي زمن الانتصار!" ثم سلّم الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، الذي وضع تصورًا لوطن يقوم على الشراكة ودور المواطنين، وعلى علاقة سليمة بين السياسة والكنيسة في خدمة الخير العام.

والزيارة الثالثة جاءت في أيلول 2012، حين أصرّ البابا بنديكتوس السادس عشر على المجيء رغم التوترات الناجمة عن الحرب السورية. لبنان كان مثقلًا باغتيالات وحروب وشلل سياسي. ومع ذلك، اختار البابا توقيع الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة" من بيروت تحديدًا، مؤكدًا أن العيش معًا في لبنان ضمانة لمسيحيّي الشرق. قال للشباب: "لا تخافوا… ولا تتجرّعوا عسل الهجرة المرّ"، في دعوة واضحة إلى التمسّك بالأرض.

اليوم، يصل البابا لاوون الرابع عشر ولبنان معلّق فوق هدنة هشة بعد "حرب الإسناد" بين "حزب الله" وإسرائيل. وقف إطلاق النار لم يتحوّل إلى استقرار: الضربات الإسرائيلية تتكرّر، و "حزب الله" يرفض تسليم سلاحه. في المقابل، تحاول السلطة استعادة زمام المبادرة وتعلن استعدادها للتفاوض، في مشهد سياسي ضبابي ومفتوح على كلّ الاحتمالات. وفي هذا التوقيت يصل رأس الكنيسة الكاثوليكيّة، الذي دعا في آب الماضي إلى "التخلّي عن منطق السلاح" واعتماد "منطق التفاوض والسلام"، وإلى أن "تصمت أصوات الحرب لترتفع أصوات الأخوّة والعدالة".

وهنا يُطرح السؤال الكبير: هل ينجح البابا في دفع لبنان نحو مرحلة جديدة تُكرّس منطق الدولة وتمنع تحويله ساحة لصراعات الآخرين؟ وهل يستطيع أن يفتح الباب أمام علاقات سلام مع محيطنا من دون الانجرار إلى حروب مفتوحة لا نهاية لها، أثبتت كلّ التجارب أنها لم تُنتج سوى الخراب؟

لقد خسر لبنان الكثير، وأصبح شعبه مُستنزفًا ومستسلمًا. لكنّ السلام الذي تدعو إليه الكنيسة ليس سلام الضعفاء بل سلام الأقوياء، سلامُ الذين يعودون إلى زمام المبادرة ويطلبون الحق من موقع الصمود لا الانكسار. فهل تكون زيارة البابا لحظة تأسيس لمسارٍ جديد، نخرج فيه من دوّامة العنف إلى منطق الدولة، ومن الهزيمة إلى القدرة على صناعة السلام العادل… السلام الذي نبنيه نحن، لا الذي يُفرض علينا؟