%70 من نواطير البنايات سوريّون.. مَن يضبط وجودهم ويحفظ سلامة السكان؟

أسرار كثيرة تخفيها تلك الغرف الصغيرة في أسفل المباني؛ مخاوف، خيبات، إضطرابات مكبوتات...وآمال.

ساكنوها عمال يعرفهم الناس باسم النواطير، يعيشون وسط أهل العمارة يقدمون الخدمات لسكانها. يتلطون بين أربعة جدران ضيقة تؤمن لهم المسكن والأمان ولقمة العيش. جيوش من النواطير، أغراب بمعظمهم، باتوا من نسيج المجتمع اللبناني، قليلهم شرعي ومسجل في وزارة العمل وكثيرهم يعمل بلا أي تسجيل رسمي أو مسوغ قانوني. من يضبط وجودهم ويحفظ أمن السكان وسلامتهم ؟ وأين دورالبلديات؟

في المبدأ كل عمالة يضبطها القانون لكن في أيام الفوضى المستشرية والنزوح السوري الشرس ورغبة المالكين في عدم تحمل أعباء مالية إضافية من يسأل عن القانون؟ كثر من اللبنانيين يعمدون الى تشغيل أشخاص غير موثوق بهم، لا يملكون أوراقاً قانونية ويرضون بالقليل كنواطير في مبانيهم. ورغبة منهم بالتهرب من أعباء الضمان الاجتماعي والالتزامات القانونية تجاه هؤلاء، لا يُخضعونهم لعقود عمل سواء كانوا لبنانيين أو أجانب، ويتم الاتفاق بينهم بالتراضي و"لا مين شاف ولا من دري" ما يساهم أكثر وأكثر في تفلت الأوضاع...

 

السوريون يجتاحون البنايات

بول شديد رئيس بلدية المطيلب يرسم خارطة تقريبية لعدد وجنسيات النواطير في بلدته يمكن أن تنطبق في الواقع على الكثير من البلدات التي تضم بنايات مصنفة دولوكس تأوي في معظمها ناطوراً. في المطليب ما يوازي 400 بناية غالبيتها تشغل نواطير، حوالى 10% منهم من الجنسية البنغلادشية أو الهندية و10% من المصريين و10% لبنانيين فيما 70% من النواطير هم من الجنسية السورية. القانون لا يجبر لجان البنايات على تسجيل الناطور في البلدية أو إعطاء خبر عنه كما يمكن استبدال الناطور بآخر دون إعلام اي مرجعية. من هنا فإن الكثير من البلديات ليس لديها أدنى فكرة عن عدد النواطير في نطاقها وجنسياتهم أو أسمائهم وأوضاعهم القانونية... البلدية الناشطة يمكنها بسهولة ضبط وجود النواطير وجمع معلومات عنهم من خلال مسح بسيط لكل البنايات وفرض ملء استمارات توثق كل المعلومات عن هؤلاء العمال مع ضرورة تجديدها كل عام وإعطاء خبر في حال استبدال الناطور بآخر. هذا الإجراء البسيط لا يحتاج الى أمور لوجستية صعبة ويمكن إنجازه بعدد قليل من موظفي البلدية وهو يتيح ضبط الأمور والتأكد من الوضع القانوني لهؤلاء المستخدمين ومنع استخدام أي ناطور لا يملك أوراقاً قانونية بغية الحد من المخالفات او التعديات المختلفة من قبل النواطير.

المستشارة القانونية للجنة الأهلية لحماية المستأجرين المحامية مايا جعارة بردويل تحدد الوضع القانوني للنواطير قائلة إن جمعية المالكين هي التي تعتبر ربة عمل الناطور وهو أجير لديها ولا وجود لعلاقة تبعية بين الناطور والسكان سواء كانوا مستأجرين او مالكين بل عليه أخذ تعليماته من لجنة البناء الممثلة برئيسها. ويخضع الناطور لقانون العمل والضمان الاجتماعي ولا يوجد قانون يلزم لجنة البناء بإعلام البلدية بوجوده.

القانون اللبناني تقول جعارة لا يقدم تعريفاً للناطور ولا يحدد مهامه الا انه وبحسب العرف يترتب عليه صيانة الاقسام المشتركة مثل تنظيف المدخل الرئيسي، المداخل، الممرات، اخراج القمامة، والصيانة الصغرى مثل تغيير المصابيح الكهربائية، فتح واغلاق الابواب، الابلاغ بقدوم الزوار، استلام وتوزيع البريد، تشغيل وصيانة المولد الكهربائي، إضافة الى السهر على امن البناء والمراقبة. وبحسب المادة 45 -1-ج من قانون الايجارات الجديد رقم 2/2017 راتب البواب موازٍ للحد الادنى للاجور بالاضافة الى الزيادات بما فيها التدرج والضمائم والتعويضات القانونية والاشتراكات المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتعويض نهاية الخدمة ولا يدخل في حساب الاجر بدل المسكن.

 

نواطير بلا عقود عمل

في القانون، لا وجود لوظيفة محددة اسمها ناطور بل ان جمعية المالكين تشغل عاملاً أو اجيراً يخضع لقانون العمل اللبناني إذا كان لبنانياً او لقانون عمل الأجانب إذا كان من جنسية أخرى. حيث يتم استقدام العامل الأجنبي من الخارج بموجب موافقة مسبقة من وزارة العمل استناداً الى صورة عن جواز سفره يحصل بعدها على تأشيرة للدخول ومن ثم إجازة عمل صادرة من وزارة العمل وإقامة صادرة من الأمن العام على أن يكون كفيله رب العمل أي مالكو العقار ممثلين برئيس لجنة البناية. أما إذا كان سوري الجنسية فهو يحتاج الى إجازة عمل وليس الى إقامة فقط كما هو الاعتقاد الشائع لكن لا يحتاج رب عمله الى تقديم كفالة مصرفية، ولا يحق له العمل في غير البناية التي ارتبط معها بعقد عمل.

في القانون إذا الأمور مضبوطة لكن قلة نادرة من لجان البنايات أو اصحاب الفلل يتبعون الإجراءات القانونية ويشغلون نواطير بموجب عقود عمل شرعية. وحدهم العمال الأجانب من مصريين وبنغلادشيين وغيرهم يضطر أرباب العمل الى توقيع عقد عمل شرعي معهم لأنهم يستقدمونهم على اسمهم أما السوريون وحتى اللبنانيون فمعظمهم يعملون كنواطير بدون عقود عمل شرعية او اي تصريح عنهم... باستغراب يتساءل الريس بول شديد كيف يمكن لأصحاب شقق وبيوت يصل سعرها الى ما يقارب مليون دولار أن يشغلوا نواطير بلا أوراق قانونية لا يعرفون ما هي سوابقهم إو إذا كانوا يملكون سجلاً إجرامياً، بدل البحث عن عمال شرعيين لبنانيين أو أجانب؟

وفي هذا الصدد تقول المحامية جعارة يواجه لبنان في الآونة الاخيرة موجة نزوح اضافية وهناك تسلّل غير شرعي للنازحين وخاصة من الفئة العمرية الشابة ممّا يهددّ بخطر وجودي على الكيان اللبناني، ما يدعو لاتخاذ خطوات عملية تبدأ داخل كلّ بناء بتطبيق القوانين والتعاميم المرعية الاجراء وعدم استخدام نواطير دون حيازتهم على اوراق، خاصة وان حديثاً يتّم تداوله عن وجود خلايا نائمة يمكن تحريكها في اي وقت اخذ يتزايد ووضع قنابل موقوتة داخل الابنية قد يزيد من مخاطر فلتان أمني.

 

من يضمن أهليتهم؟

القصص كثيرة عن نواطير ارتكبوا جنحاً وأعمالاً جرمية من سرقة واعتداء وحتى قتل وقاموا بعمليات غش طالت سكان المبنى المكلفين مبدئياً بحراسته. ففي إحدى البنايات وبعد التفتيش مطولاً عن ناطور لبناني تم توظيف رجل بقاعي في عقده الخامس وتخصيص غرفة له مع زوجته. لكن تبين بعد أشهر أنه استدان المال من كل السكان بحجة مرض والده ووضع الأموال المخصصة لملء خزانات المازوت في جيبه حتى أنه استوفى الإيجار من إحدى الشقق واختفى لتختفي من بعده زوجته مع كل ما تضمه الغرفة من تجهيزات كانت لجنة البناية قد وفرتها لهم. لم تطلب اللجنة منه سجلاً عدلياً ولا طلبت له النشرة قبل أن يوظفوه اكتفوا بكونه لبنانيا ليتبين لهم في ما بعد أنه مطلوب بأكثر من مذكرة وعليه أكثر من دعوى قضائية. والقصة ذاتها تتكرر في الكثير من المباني ولا يتم التنبه لوضع الناطور إلا بعد أن يأكل السكان الضرب.

وثمة قصص فظيعة شهدتها بلدات لبنانية بلغت حد القتل والإغتصاب لكن هذه الحوادث على قساوتها لم تشكل درساً رادعاً لوجوب التأكد من أهلية الناطورالأخلاقية والقانونية والنفسية قبل فتح أبواب البيوت أمامه وتأمينه على الممتلكات والأرواح.

 

شبكة مقفلة

منصور بشعلاني رئيس تجمع الصناعيين في منطقة المكلس المنصورية التي تضم اعداداً كبيرة جداً من المصانع توظف ما لا يقلّ عن 150 ناطوراً يعترف بالحاجة الملحة الى ضبط أوضاع هؤلاء. ويقول إن معظم المصانع توظف حراساً يكونون عمالاً خلال النهار ونواطير ليلاً ضمن الشروط القانونية والمشكلة الكبرى أن هؤلاء لا أحد يعرفهم إلا صاحب العمل وجيرانه، خاصة بالنسبة لمن ليست لديهم أوراق قانونية، لذا من الضروري أن يتم تسجيل كل هؤلاء في البلدية التي لها تأثير محلي أكبر من الأمن العام حيث يمكنها أن تحصي على الأرض كل الموجودين و تتثبت من أوضاعهم.

بشعلاني يؤكد أنه في غياب أي تسجيل رسمي تقع مسؤولية سلامة وضع النواطير على عاتق اصحاب المصانع الذين يترتب عليهم واجب التأكد من اي شخص قبل توظيفه. "في الواقع لا أحد يوظف شخصاً غريباً تماماً، وغالباً ما يكون موصى به من قبل عامل أو ناطور آخر بحيث اصبح هناك شبكة من النواطير تقريباً متصلة كلها ببعضها البعض. أما هؤلاء فيضبطهم من جهتهم عامل واحد هو الخوف من فقدان المسكن حيث أنهم يعيشون مع عائلاتهم في هذه المساكن الصغيرة التي نؤمنها لهم واي تصرف سيئ من قبلهم يعرضهم لفقدان هذه  "النعمة".

جمعية المصانع اتفقت على ألا تشغل إلا النواطير الذين يملكون أوراقاً قانونية وتسعى لضبط الأوضاع قدر الإمكان حفاظاً على ممتلكاتها وأعمالها لا سيما بعد تعميم وزير الداخلية الأخير، "لكن حين نكون بحاجة لعامل ولا نجد واحداً شرعياً، حينها يمكن أن نلجأ الى تشغيل اشخاص خارج الإطار القانوني. ففي النهاية "نحن وحظنا" وكل شخص مسؤول عن مصنعه...".

 

هل يرحلون؟

في بحمدون التقينا ناطوراً سوري الجنسية يحرس بناية مهجورة لم يعد أصحابها الكويتيون يزورونها منذ سنوات، يعيش مع زوجته الثانية وصغيريه في شقة مخصصة للناطور. كهرباؤه، مازوته، تدفئته كلها مؤمنة إضافة الى السكن المجاني. راتبه 600 دولار ويحرس عمارة فارغة. مسرور هو الى أبعد حد بوظيفته هذه وإلا لما تزوج الثانية ولو أجبر على العودة قسراً الى بلده لرفض العودة.

في بناية أخرى ناطور سوري الجنسية يعمل فيها منذ عشر سنوات اي تقريباً منذ بدء النزوح السوري. وصل مع زوجة وطفل صغير وانتهى به الأمر بخمسة أطفال مكدسين في غرفة واحدة. ما حدا بإحدى السيدات الى وضع شرط وحيد على الناطور الجديد: عدم الإنجاب!