"انتصار" فوق الركام

 

بعد إعلان وقف النار بين واشنطن وطهران، نفض حكّام إيران الغبار عنهم من دون القدرة على محو آثار دماء المعارضين الملطّخة بها أياديهم، ونظروا إلى تلال من الركام وقرأوا تقارير مرعبة عن الخسائر الفادحة والدمار الهائل، فرأوا بهذا "المشهد الهرمجدوني" إنجازًا مذهلًا يضاف إلى السجل الحافل من نجاحات الجمهورية الإسلامية الباهرة. دفعهم فكرهم الفاسد إلى التبجّح بأن طهران حققت "نصرًا عظيمًا" في الحرب، وبأن "العدو مُني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن إنكارها"! من يُعاني محنة كبرى في عقله ليس غريبًا عليه ادّعاء ما تشاء مخيّلته الواهمة على تصوّره. لكن أكثر ما يُثير مخاوف الإيرانيين، أن هذا "الوحش الجريح" سيوغل بدماء "أعداء الداخل" قريبًا.

تملأ صور القادة، القتلى والأحياء، كما لافتات الشعارات الجوفاء، واجهات المباني المخرّبة والصامدة على السواء. استخدم الملالي لعقود أذرعهم لبسط نفوذهم خارج الحدود الإيرانية وإقامة "خطوط مواجهة" أمامية في وجه إسرائيل وغرمائهم الإقليميين، بيد أن الظروف القاهرة اليوم استوجبت وضع جزء من جهود الأذرع الواهنة في قلب طهران ومدن إيرانية أخرى، لحماية النظام من شعب حيّ يتطلّع إلى غد بلا سيطرة آيات اللّه. يجوب عراقيون وأفغان وغيرهم من "جنود الوليّ الفقيه"، الشوارع الإيرانية براياتهم وأناشيدهم. لا يفهم السكّان المحلّيون عليهم، وهم بدورهم لا يتحدّثون الفارسية. ليس هناك حاجة للتواصل المتبادل، فالمطلوب منهم ترهيب المواطنين وإطلاق النار عليهم متى أُمروا بذلك.

تمرّ فتاة إيرانية فقدت أختها أو أخاها أو خطيبها برصاصات حاقدة خلال قمع ثورة الحرّية مطلع العام، على حواجز متعدّدة للوصول إلى منزلها بعد رحلة محفوفة بالمخاطر إلى محطّة للمحروقات أو مخبز أو صيدلية. يوقفها قاصر بالكاد يبلغ 12 عامًا من عمره جنّده حثالة "الباسيج"، ليطرح عليها أسئلة وقحة ويفتش سيّارتها ويتطفّل عابثًا بهاتفها. هذا ما أصبح يقاسيه الإيرانيون الناقمون على نظام ثيوقراطي عقيم. تتفاقم أزمة إيران الاقتصادية وتتدهور الأحوال المعيشية بسرعة مع موجة غلاء مستفحلة، في وقت يجد فيه عدد متزايد من الشباب أنفسهم عاطلين عن العمل. صارت بحوزة الإيرانيين ورقة نقدية جديدة بقيمة 10 ملايين ريال منذ منتصف آذار الفائت، وهي بالكاد تمكّن حاملها من شراء سلع بسيطة للغاية نظرًا للتضخم المفرط.

بالنسبة إلى معايير "جهابذة" محور الممانعة وتقييماتهم المثيرة للسخرية، كلّ هذه المؤشرات ما هي إلّا دلالات دامغة يصعب تكذيبها عن "النصر الإلهي" المزعوم. لم يتردّد غلاة مناصري نظام الإعدامات عن الاحتفال بـ "نصر" لا يفقه معانيه سوى أصحابه المتواجدين في عالم موازٍ مختلف كلّيًا عن الواقع المعيوش. اختبر الإيرانيون محنة مفجعة امتدّت على مدى 47 عامًا، وهم يعون أن ساعة تصفية الحساب مع قتلة إخوتهم ورفاقهم تقترب أكثر من أي وقت مضى، بصرف النظر عن مصير الهدنة الهشة ومحادثات باكستان. تضحيات الإيرانيين لن تذهب سدى، وتصميمهم على إسقاط طغاتهم لا يتزعزع، ونضالهم مستمرّ لتحقيق غاياتهم.

يدرك الإيرانيون أن كلفة استعادة بلدهم ستكون مرتفعة، إلّا أنهم يعرفون أيضًا أن جلوسهم مكتوفي الأيدي سيجعل أجيالهم المقبلة تدفع أثمانًا مضاعفة لتحطيم القيود وهدم "هيكل الموت". عندما يهاب الشعب الفهارير يتعمّق الاستبداد، وعندما يخشى النظام القمعي الشعب تسود الحرّية. لم تنتهِ بعد "الحرب الثورية" ضدّ نظام فاقد الشرعية ومنتهي الصلاحية. النصر للثوّار والحرّية لإيران.