المصدر: إرم نيوز
الكاتب: محمد حامد
الأربعاء 21 تشرين الأول 2026 09:13:58
كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة على جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، عن تحركات باكستانية مكثفة خلال الساعات الأخيرة للدفع بمقترح عاجل يهدف إلى احتواء التصعيد العسكري وفتح مسار تفاوضي جديد، يقوم على تقليص ملموس لمستويات تخصيب اليورانيوم الإيراني، مقابل تخفيف جزئي للحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وأوضحت المصادر، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، أن المقترح يتضمن ترتيبات متزامنة لرفع جزء من الحصار الأمريكي وفتح مضيق هرمز وإزالة العوائق أمام الملاحة البحرية، وفق جدول زمني محدد، وتحت إشراف طرفين دوليين يجري اختيارهما بموافقة مشتركة من الولايات المتحدة وإيران، لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وبحسب المصادر، يسعى الوسطاء إلى تجنب الخلافات التي عطّلت المبادرات السابقة، عبر اعتماد خطوات متزامنة تحول دون مطالبة أي طرف بتقديم تنازلات مسبقة، على أن تؤجَّل مناقشة آليات وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت النووية الإيرانية إلى مراحل أكثر تقدمًا من التفاوض.
وأضافت أن نجاح الترتيبات الأولية قد يمهّد لاستئناف مباحثات أوسع تشمل البرنامج النووي والعقوبات الأمريكية والأموال الإيرانية المجمدة، ضمن مسار تفاوضي يقوم على التزامات متبادلة وإجراءات لبناء الثقة.
وتأتي هذه التحركات وسط تصاعد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، عقب تقارير إيرانية عن تعرض قاعدة "كنارك" البحرية، جنوب شرقي إيران، لهجوم نُسب إلى القوات الأمريكية، الاثنين، وهي رواية نفتها واشنطن. وفي تطور لاحق، أعلن الحرس الثوري الإيراني اعتراض وإسقاط طائرة أمريكية مسيّرة في أجواء مضيق هرمز.
وتزامن الحراك الدبلوماسي مع زيارة قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وبحث معه جهود الوساطة والتطورات الإقليمية، في وقت أعلنت فيه إسلام آباد معالجة المشكلات الحدودية مع إيران وإعادة فتح الحدود بين البلدين اعتبارًا من الثلاثاء.
تهدئة مشروطة
وقال دبلوماسي مطلع على الوساطة بين واشنطن وطهران، لـ"إرم نيوز"، إن فرص تمرير المقترح الجديد ترتبط أولًا بتوفير أرضية للتهدئة الإقليمية، تشمل تحركًا إيرانيًا لاحتواء التصعيد الحوثي، وهو أحد الملفات التي حضرت في الاتصالات المرتبطة بزيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران.
وأوضح أن أهمية هذه الخطوة تتزايد في ظل التعزيزات العسكرية الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط ومحيط إيران، بالتزامن مع معلومات متداولة في الأوساط الدبلوماسية بشأن استعدادات أمريكية لعمل عسكري محتمل، ما يضع الوسطاء أمام سباق مع الوقت لمنع انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.
وأشار المصدر إلى أن المقترح المطروح يستند إلى نتائج جولات التفاوض الأخيرة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين في نيويورك، مع محاولة دمج التفاهمات التي نوقشت خلال اجتماعات إسلام آباد في أبريل الماضي، والبناء على مذكرة التفاهم التي بقي تنفيذها معلقًا، فضلًا عن إعادة النظر في مبادرة "الأيام السبعة" التي تعثرت بسبب الخلافات بين الطرفين.
وبحسب المصدر، فإن التحدي لا يقتصر على الاتفاق بشأن الملفات المطروحة، بل يمتد إلى وضع ضمانات تحول دون استئناف العمليات العسكرية خلال المفاوضات، حتى في حال تعثرها أو تعليقها دون التوصل إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن الوسطاء يعملون على صياغة التزامات متبادلة بعدم اللجوء إلى التصعيد العسكري، بما يتيح استمرار المسار الدبلوماسي بعيدًا عن التهديدات المتكررة، خصوصًا مع تزايد الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة.
وأكد أن أزمة الثقة لا تزال العقبة الرئيسية أمام أي اختراق، إذ يتمسك كل طرف بالحصول على ضمانات وخطوات مقابلة قبل تنفيذ التزاماته، فيما يحاول الوسطاء تحويل ملفات التخصيب ومضيق هرمز والحصار البحري إلى مدخل لتفاهمات أولية، تمهّد لمفاوضات أشمل بشأن البرنامج النووي والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة.
موسكو على خط التسوية
وفي موازاة التحركات الباكستانية ودول وسيطة، دخلت موسكو على خط الجهود الدبلوماسية، مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران ولقائه مسؤولين إيرانيين، وسط معلومات عن مبادرة روسية تتعلق بمخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، بهدف البحث عن صيغة تسوية مقبولة بين واشنطن وطهران.
غير أن الموقف الإيراني العلني يشير إلى تعقيدات تواجه أي مقترح يتضمن نقل المواد النووية إلى الخارج، بعدما أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، أن بلاده لن تسمح بخروج أي كمية من المواد النووية المخصبة من أراضيها، معتبرًا إياها ثروة وطنية مخصصة للاستخدام داخل إيران.
ويعكس هذا الموقف أحد أبرز التحديات أمام الوسطاء، في ظل الحاجة إلى التوفيق بين مطالب واشنطن بشأن البرنامج النووي وتمسك طهران بالسيطرة على مخزونها من المواد المخصبة.
حسابات إيرانية وضغوط إقليمية
من جانبه، رأى الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، أن طهران تسعى إلى توظيف الضغوط الإقليمية والدولية لدفع الأطراف المعنية نحو إنهاء الحرب، في وقت لا تزال فيه الثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب شبه غائبة لدى القيادة الإيرانية.
وقال الياسري، لـ"إرم نيوز"، إن إيران تبدي استعدادًا للتعامل مع المبادرات التي ينقلها الوسطاء، انطلاقًا من رغبتها في تجنب مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة، لكنها تسعى في المقابل إلى الحصول على ضمانات أمريكية تمنع إسرائيل من استهدافها عسكريًا.
وأشار إلى أن التحرك الروسي جاء أيضًا في سياق الضغوط الناجمة عن التصعيد في منطقة باب المندب، ما دفع موسكو إلى تكثيف مساعيها الدبلوماسية، بالتوازي مع مقترحات صينية غير معلنة تهدف إلى تشجيع تجاوب غير مباشر بين واشنطن وطهران.
وتوقع الياسري اتساع نطاق التحركات الدبلوماسية خلال الفترة المقبلة، مع انخراط أطراف دولية إضافية في بلورة مقترحات مشتركة، مشيرًا إلى أن طهران تُظهر رغبة في إنهاء المواجهة وتجنب خسائر جديدة، شرط الحصول على ضمانات تلبي مطالبها الأساسية.
وأضاف أن الوسطاء يعيدون طرح أفكار سابقة تتيح استئناف تدفقات النفط وتخفيف القيود على الملاحة واحتواء التصعيد الإقليمي، بما يحد من التداعيات الاقتصادية للحرب على الدول المتضررة، ويفتح المجال أمام استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
انتخابات قد تعيد خلط الأوراق
وربط الياسري فرص تحقيق تقدم فعلي في مسار الوساطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة في إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرًا أن نتائجها قد تؤثر في حسابات الأطراف المعنية ومدى استعدادها لتقديم تنازلات.
وأشار إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر، قد تفرضان معطيات سياسية جديدة على مسار التفاوض، خصوصًا في ما يتعلق بموقف الحكومة الإسرائيلية المقبلة وقدرة الإدارة الأمريكية على إدارة أي تفاهم مع طهران.
واعتبر أن استمرار بنيامين نتنياهو وتحالفه في الحكم قد يضيف تعقيدات أمام المبادرات المطروحة، فيما قد يتيح تغير المشهد السياسي في إسرائيل، بالتزامن مع تحولات محتملة في توازنات الكونغرس الأمريكي، مساحة أوسع للتحركات الدبلوماسية.