إحالة ملف المتفجرات على المجلس العدلي تختبر التوازنات الحكومية

لا يقتصر اختبار الحكومة في جلستها اليوم على بتّ طلب إحالة ملف شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر وامتداداته في منطقة القصر على المجلس العدلي، بل يتجاوز ذلك إلى حدود التوافق الممكن بين مرجعية الدولة القضائية والحسابات السياسية التي تحيط بملف السلاح. فالبند  السابع المدرج في جدول أعمال مجلس الوزراء يضع القوى المشاركة في الحكومة أمام موقف واضح من مسار قضائي استثنائي، فيما تتصاعد مواقف "حزب الله" الرافضة لما يعدّه استهدافاً يتجاوز القضية نفسها.

في أوساط وزير العدل عادل نصار، لا يُنظر إلى الإحالة بوصفها مبادرة سياسية قابلة للمساومة، بل إجراء يدخل في صلب صلاحيات الوزارة ومسؤولياتها. وتقول هذه الأوساط إن الوزير استكمل التحضيرات اللازمة، وأعدّ الملف من الناحية القانونية، وقام بما يقتضيه المسار المعتمد تمهيداً لطرحه على مجلس الوزراء. أما القرار النهائي، فيبقى من صلاحية الحكومة التي يعود إليها أن تحسم موقفها من الاقتراح في ضوء الاعتبارات القانونية والسياسية المحيطة به.

ولا يبدو نصار، وفق مقربين منه، معنياً بالتراجع عن طرحه لمجرد ارتفاع الاعتراضات السياسية، إذ يرى أن طبيعة القضية وخطورة المواد المضبوطة تفرضان معالجة تتناسب مع حجمها، وأن تحديد المسار القضائي لا ينبغي أن يخضع مسبقاً لأي اعتبار خارج مقتضيات القانون.

 بعبدا متريثة
في المقابل، تتحدث أوساط قريبة من رئيس الجمهورية جوزف عون عن تفضيل انتظار اكتمال التحقيقات قبل اتخاذ قرار في شأن الإحالة، بما يفتح الباب أمام إرجاء بتّ البند إلى مرحلة لاحقة. ولا يعني هذا التوجه بالضرورة رفض المبدأ، بقدر ما يعكس حرصاً على استكمال الوقائع وتفادي اتخاذ قرار في ملف لا تزال التحقيقات فيه مفتوحة، وسط تداخل واضح بين أبعاده الأمنية والقضائية والسياسية.

أما في أوساط رئيس الحكومة نواف سلام، فيغلب التريث على استباق الموقف. فالمطلوب، وفق هذا المناخ، انتظار ما ستؤول إليه المناقشات داخل مجلس الوزراء، من دون حسم مسبق للنتيجة أو الذهاب إلى مواجهة حكومية قبل اتضاح مواقف الأطراف. وتكمن أهمية هذا الموقف في أن سلام يدعم مبدأ المحاسبة ومتابعة التحقيقات، لكن ذلك لا يعني حكماً تبنّيه كل التفاصيل المتعلقة بإحالة الملف على المجلس العدلي في هذه المرحلة.

في المقلب الآخر، تبدو مواقف "القوات اللبنانية" والكتائب واضحة في تأييد الإحالة، انطلاقاً من اعتبار القضية مرتبطة بفرض سلطة الدولة وحصر القضايا الأمنية الخطرة بمؤسساتها الشرعية. لكن الموقف الأكثر حساسية يبقى للثنائي الشيعي، الذي تتجه أوساطه إلى رفض الإحالة بصورة قاطعة، بما يجعل البند مرشحاً لأن يتحول إلى محور مواجهة سياسية داخل الجلسة، إذا أصرّ وزير العدل على المضي في اقتراحه وأصرّ المعترضون على إسقاطه.

 رفض وتهديد
واضح أن سقف "حزب الله" ارتفع في الأيام الأخيرة، بالتوازي مع استمرار التحقيقات والإجراءات القضائية المتعلقة بالشحنة والأشخاص الذين تسعى الجهات المختصة إلى استجوابهم. وفي هذا السياق، جاء تحذير النائب حسين الحاج حسن من بلوغ الأمور سقفاً لا يمكن تجاوزه، في إشارة تعكس حجم الاعتراض على المسار الجاري، وتكشف أن الخلاف لم يعد محصوراً بالجهة القضائية التي ستتولى الملف، بل بات متصلاً أيضاً بكيفية التعامل السياسي مع القضية وتداعياتها.

مع ذلك، لا يمكن اعتبار الاعتراض المعلن بديلاً من الموقف الذي سيُتخذ داخل مجلس الوزراء. فالموقف من الإحالة يحتاج إلى ترجمة حكومية واضحة، سواء عبر رفض الاقتراح أو المطالبة بإرجائه أو الاعتراض على مضمونه. كما أن عدم صدور موقف نهائي عن بعض الأوساط الحكومية حتى الآن يجعل الحديث عن أكثرية مضمونة أو تفاهم مسبق على النتيجة أمراً سابقاً لأوانه.

وتكتسب الجلسة أهمية إضافية لأن الإحالة على المجلس العدلي لا تعني إدانة أي جهة أو شخص، بل نقل القضية إلى مسار قضائي يقرره مجلس الوزراء، على أن تبقى مسؤولية تحديد الوقائع والاتهامات والأدلة من اختصاص القضاء. ومن هنا، فإن أي نقاش حول الإحالة ينبغي أن يفصل بين القرار المتعلق بالاختصاص القضائي ونتائج التحقيق التي لم تُحسم بعد.

وبين إصرار نصار على استكمال ما بدأه، وتفضيل بعبدا التريث، وانتظار السرايا اتضاح المواقف، في مقابل رفض الثنائي وارتفاع نبرة "حزب الله"، تبدو الحكومة أمام اختبار يتجاوز بنداً واحداً في جدول أعمالها. فالقرار، أياً يكن اتجاهه، سيكشف مدى قدرتها على إدارة ملف أمني بالغ الحساسية من دون تحويله إلى مواجهة سياسية مفتوحة، كما سيحدد ما إذا كانت الأولوية ستُعطى لحسم المسار القضائي الآن، أو لانتظار اكتمال التحقيقات قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.