المصدر: eremnews
السبت 24 تشرين الأول 2026 16:34:08
أخفقت جولة المحادثات العسكرية التقنية بين لبنان وإسرائيل، والتي استضافتها مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية في مقر القيادة المركزية، دون إحراز أي اختراق ملموس.
وبدلاً من التوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت الترتيبات الأمنية، خيّم التوتر الشديد على أجواء التفاوض عقب طرح الجانب الإسرائيلي رزمة شروط ومطالب تعجيزية، وُصفت بأنها محاولة لإعادة صياغة العقيدة القتالية للجيش اللبناني وتحويله إلى شريك ميداني مباشر في إنفاذ الأجندة الأمنية الإسرائيلية في الجنوب.
آلية المناطق التجريبية
أفادت مصادر لبنانية مطلعة على كواليس اجتماعات تامبا بأن العقدة الأساسية برزت حين قدّم الوفد الإسرائيلي مقترحاً يقضي بتشكيل لجنة عسكرية مشتركة تضم ضباطاً من الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، بهدف الإشراف والتنسيق المباشر على الأرض.
وأوضحت المصادر في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن المقترح الإسرائيلي يرتكز على ما يُعرف بآلية المناطق التجريبية، وهي خطة تهدف إلى ربط الانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي من الجيوب والبلدات التي تغلغلت فيه بجنوب لبنان بمدى نجاح الجيش اللبناني في تنفيذ مهام أمنية صارمة ومحددة.
وتشمل الشروط الإسرائيلية بحسب المصادر، إلزام الجيش اللبناني بالقيام بمهام نزع سلاح ميليشيا حزب الله بشكل كامل ومباشر، وتفكيك بنياه التحتية في القطاعات المحددة كمناطق تجريبية.
وتتعدى الشروط الطابع الدفاعي للجيش لتفرز له مهامَّ تنفيذية دقيقة، منها إقامة حواجز تفتيش ثابتة ومتحركة لمنع انتقال السلاح والمسلحين من بقية المناطق اللبنانية باتجاه الجنوب، بالإضافة إلى تفتيش منازل المواطنين والمنشآت المدنية بحثاً عن مخابئ السلاح، والتدقيق في هويات الأهالي والنازحين العائدين إلى قراهم الجنوبية، وصولاً إلى إلزام بيروت باعتقال وتوقيف أي شخص تطالب إسرائيل بتوقيفه أو تعتبره خطراً على أمنها.
صيغة الإطار والسيادة
وكان الوفد اللبناني رفض الطروحات الإسرائيلية جملة وتفصيلاً، معتبراً إياها مساساً خطيراً بالسيادة الوطنية وانقلاباً على صيغة الإطار المتوافق عليها برعاية أمريكية.
وجاء الرفض اللبناني انطلاقًا من حقيقة أن الخلفيات الكامنة وراء الإصرار الإسرائيلي على التنسيق المباشر وتوسيع صلاحيات اللجنة العسكرية المشتركة تنطوي على أهداف إستراتيجية خطيرة، تكمن أولاها في السعي إلى تفريغ الجيش اللبناني من هويته العقائدية الوطنية وتحويله إلى مجرد حرس حدود وأداة تنفيذية ميدانية تعمل لصالح الجيش الإسرائيلي.
وبموجب هذه الرؤية، تُريد إسرائيل تفويض الجيش اللبناني بالقيام بالمهام الشاقة والخطيرة التي تعجز قواتها عن تنفيذها ميدانياً خوفاً من تكبد خسائر بشرية فادحة في صفوف ضباطها وجنودها، خصوصاً في مواجهات حرب العصابات والكمائن داخل القرى والبلدات الحدودية.
ويرى المحلل السياسي ميشيل أبو نجم، أن إلزام الجيش اللبناني بمداهمة المنازل، وتفتيش البلدات، والاعتقال العشوائي بناءً على قوائم استخبارية إسرائيلية، يهدف بوضوح كمحور ثانٍ إلى جرّ المؤسسة العسكرية إلى صدام دامٍ ومباشر مع قوى المقاومة وبيئتها الحاضنة.
ويوضح في تصريح لـ"إرم نيوز" أن هذا السيناريو يهدد بفتح الباب أمام فتنة داخلية وزعزعة الاستقرار السلمي والاجتماعي في لبنان، وهو ما ترفضه قيادة الجيش التي ترى أن مهمتها هي حماية السلم الأهلي والدفاع عن الحدود وليس حماية أمن الاحتلال.
ويشير أبو نجم إلى بُعد ثالث وخطير يتمثل في أن الإصرار الإسرائيلي على قنوات التنسيق الثنائي المباشر يرمي إلى إظهار القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) بمظهر العاجز وغير الضروري.
وأضاف أن إسرائيل تسعى من خلال تجاوز الآلية الثلاثية التقليدية المعمول بها في الناقورة، إلى إثبات عدم الحاجة للبعثات الدولية طالما أن هناك آلية تنسيق مباشر فعّالة على الأرض؛ ما يُمهد الطريق لإنهاء دور الأمم المتحدة وإلغاء مفاعيل القرار الدولي رقم 1701 لصالح ترتيبات أمنية تفرضها موازين القوى الميدانية الحالية.
ابتزاز سياسي ومأزق ميداني
من جانبه، يرى المحلل السياسي ياسين الدويش أن جولة تامبا كشفت بوضوح حدود المناورة الإسرائيلية ومحاولتها تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية مستدامة على حساب السيادة اللبنانية.
وتابع أن التهديدات المتزامنة التي يطلقها قادة الجيش الإسرائيلي حول توسيع السيطرة الأمنية وتدمير المزيد من القرى، ليست سوى انعكاس للمأزق الميداني الذي تواجهه القوات الإسرائيلية العاجزة عن فرض استقرار أمني حقيقي في الشريط الحدودي دون كلفة بشرية باهظة في صفوف عناصرها وآلياتها.
وفي حديثه لـ"إرم نيوز"، أكد الدويش أن إسرائيل تحاول عبر هذه الشروط الالتفاف على اتفاق الإطار الموقع سابقاً، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله انتشار للجيش اللبناني، حيث تحاول تل أبيب استغلال الضعف الاقتصادي والسياسي في بيروت لفرض سلام أمني مقنّع عبر بوابة اللجنة العسكرية المشتركة المزمع إنشاؤها.
يشار إلى أن الرفض اللبناني القاطع لتفتيش المنازل والاعتقالات الموجهة يُثبت أن القيادة في بيروت، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة، لا تزال تدرك خطورة الانزلاق إلى مستنقع الفتنة الداخلية التي تطمح إليها تل أبيب، وتتمسك بالدور الدفاعي الشرعي والمستقل للجيش بالتكامل مع القوات الدولية اليونيفيل كمرجعية وحيدة لمراقبة الحدود وضمان الاستقرار في المنطقة برمتها.
وفي المحصلة النهائية، انتهت لقاءات ولاية فلوريدا الأمريكية دون تحقيق الغايات المرجوة منها ودون تحديد أي موعد للجولات التفاوضية المقبلة؛ ما يضع جميع الترتيبات الأمنية والسياسية المقترحة في مهب الريح، ويعيد بوصلة الصراع برمتها إلى الميدان الجنوبي اللبناني الذي يبقى دائماً وأبداً الحكم الفصل في تحديد السقوف السياسية والشروط النهائية لكلا الطرفين المتنازعين.