داغر: حزب الله جرّ الاحتلال... وسنخوض المعركة من داخل المؤسسات

اعتبر معاون رئيس حزب الكتائب للشؤون السياسية والانتخابية سيرج داغر أن الرهان على أن رحيل بنيامين نتنياهو سيؤدي إلى وصول شخصية أفضل منه إلى الحكم في إسرائيل ليس قراءة واقعية للمشهد، بل هو أقرب إلى التمنّي، مشيرًا إلى أن العملية السياسية في إسرائيل معقدة، وحتى لو بدا أن نتنياهو يمتلك أكثرية، فإن تشكيل الحكومة يحتاج إلى 61 مقعدًا، وقد برز في هذه الانتخابات حجم التمثيل العربي، وهو أمر لافت لم نشهده منذ وقت طويل، وكل الخيارات لا تزال مطروحة، ولا ينبغي افتراض أن الحكومة ستتشكل فور انتهاء الانتخابات.

وفي حديث لـ Transparency News، اعتبر داغر أنّه في هذه المرحلة، تستمر الحكومة القائمة في ممارسة صلاحياتها، وقد تصبح الفترة الفاصلة بين الانتخابات وتشكيل الحكومة خطيرة، لأنها قد تكون خارج الضوابط والمحاسبة المعتادة، والخطر لا يقتصر على الداخل الإسرائيلي، بل يطال لبنان أيضًا. فنتنياهو كان يحسب حساباته قبل الانتخابات، وربما كان يتردد في اتخاذ خطوات عسكرية أو سياسية جريئة خشية تأثيرها على نتائج الانتخابات. أما اليوم، وبعد أن حقق تقدمًا انتخابيًا، فقد يشعر بأنه أصبح أكثر تحررًا من هذه القيود. لذلك علينا الانتباه جيدًا إلى ما قد تحمله المرحلة المقبلة.

وقال: "الرهان على إيزنكوت بوصفه بديلًا أفضل ليس في محله، لأننا نتحدث عن شخص يحمل توجهًا عسكريًا خطيرًا، حتى لو اختلفت بعض التفاصيل عن سياسة نتنياهو، وهناك سياسة إسرائيلية عامة واستراتيجيات كبرى لا تتغير كثيرًا بتغير الأشخاص الذين يصلون إلى الحكم".

تابع: "سواء وصل نتنياهو أو إيزنكوت إلى الحكم، السؤال الحقيقي ليس فقط مَن هو الأسوأ، بل ماذا سنفعل نحن في لبنان بناءً على هذا الواقع؟".

أضاف داغر: "للمرة الأولى في التاريخ، أرى مقاومة تؤدي إلى الاحتلال. قبل حرب الإسناد، لم يكن هناك جندي إسرائيلي واحد في جنوب لبنان، وكان اللبنانيون يحتفلون بعيد التحرير ويذهبون إلى الجبال، لأن الأرض كانت محررة، ثم جاءت حرب الإسناد الأولى، وانتهت بوجود خمس نقاط، وتلتها الحرب الثانية التي أدت إلى احتلال قرى إضافية، وقد يصل الأمر إلى نحو ستين أو سبعين قرية، ضمن مساحة واسعة من الجنوب".

واعتبر داغر أن هناك من يقول إن إسرائيل كانت تستعد للحرب، ويستدل على ذلك بتفجيرات أجهزة البيجر والوسائل الأخرى. لكن هذا الاستنتاج ليس دقيقًا، فإسرائيل تعرف أنها قد تدخل في مواجهة إقليمية مع إيران، التي تمتلك حلفاء وأذرعًا في المنطقة، من بينهم حزب الله والحوثيون وبعض الميليشيات في العراق، ومن الطبيعي أن تستعد إسرائيل لاحتمال نشوب مواجهة مع هذه الأطراف، خصوصًا أنها تعتبر نفسها في حالة تهديد وجودي.

وسأل: ما هي الاستراتيجية العظيمة التي تحققت من وراء كل هذه الحروب؟

ولفت داغر إلى أن حزب الله وصل إلى مرحلة ينبغي فيها أن يعيد النظر في خياراته، وأن يدرك أن الاستمرار في النهج نفسه لن يؤدي إلا إلى تكرار النتائج ذاتها.

وقال: "اليوم، يستطيع حزب الله أن يتخذ قرارًا واحدًا من شأنه أن يغيّر المعادلة: أن يعلن بوضوح أنه مستعد لتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، في إطار تسوية تؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار".

وقال: "حزب الله لم يكن يريد انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، لكن جوزيف عون وصل إلى الرئاسة، ولم يكن يريد خطاب قسم يتحدث عن حصرية السلاح، لكن خطاب القسم تضمّن هذا المبدأ، كما لم يكن يريد وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، لكنه وصل إليها. كذلك، لم يكن يريد بيانًا وزاريًا يتخلى عن الصيغ السابقة التي كانت تكرّس معادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، لكن الصيغة التي صدرت لم تتضمن تلك المعادلة بالشكل الذي كان يريده".

أضاف: "وبعدها جاءت قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح، وهي قرارات سيادية وسياسية بامتياز. وللمرة الأولى، اتخذت الدولة موقفًا واضحًا يقول إن السلاح خارج إطارها لا يمكن أن يستمر على النحو السابق".

تابع داغر: "لم يكن كثيرون يتصورون أن تدخل قوة أمنية لبنانية إلى قلب الضاحية الجنوبية، وتداهم مخزنًا مرتبطًا بنشاط حزب الله، ثم يتجمع بعض الشبان، ويتدخل الجيش اللبناني والقوة الضاربة، من دون أن يتمكن هؤلاء الشبان من منع تنفيذ المهمة".

وقال: "في السابق، كانت شحنات تمر عبر الحواجز من دون أن تُفتَّش، وكانت بعض الحواجز تتعامل معها بطريقة مختلفة تمامًا. وإذا أوقف أحد الحواجز شحنة عن طريق الخطأ، كان يجري العمل على إعادتها أو تجاوز المشكلة، بدلًا من فتح تحقيق جدي. أما اليوم، فقد توقفت الشحنة، وتوسّع التحقيق، وجرى البحث في المركبات التي سبقتها وتلك التي تلتها، وبدأت تظهر إجراءات قضائية تتعلق بالأشخاص المعنيين".

واعتبر أن هذه أمور لم تكن تحصل بالطريقة نفسها في السابق، وهي دليل على أن هناك تحولًا في عمل المؤسسات.

وقال: "في زمن سابق، كان وفيق صفا يستطيع الذهاب إلى العدلية والتدخل في عمل القضاء، أما اليوم، فإن الظروف تغيّرت، وأصبح هناك وزير عدل يمارس دوره بصورة أكثر استقلالية".

أما بالنسبة إلى إحالة ملف الشاحنة إلى المجلس العدلي، فأوضح أن هناك خطوة مهمة حصلت، ولا يجوز التقليل من شأنها، لافتًا إلى أن النقاش الذي جرى في مجلس الوزراء، والقرار الذي اتخذه وزير العدل، يعكسان موقفًا سياديًا واضحًا. واعتبر أن الوزير، والحزب الذي يقف خلفه، كانا في صلب هذه الخطوة، مع تقديري لكل من دعمها من القوى السياسية الأخرى.

وقال: "في القضية نفسها، فإن توقف الشحنة، وتوسّع التحقيق، والعمل على تحديد المسؤوليات، كلها أمور إيجابية، وقد ظهرت أسماء أشخاص معنيين بالملف، وهناك إجراءات قضائية يُفترض أن تتقدم، وإذا لم يحضر المطلوبون، فهناك وسائل قانونية لملاحقتهم، وإحالة الملف إلى المجلس العدلي هي خطوة إضافية مهمة، وإن كانت لا تعني بالضرورة تغيير مسار التحقيق نفسه، لكنها تحمل دلالة سياسية واضحة، لأنها تؤكد أن الدولة تتعامل مع القضية باعتبارها مسألة تتعلق بالقانون والسيادة، لا باعتبارها ملفًا يمكن تجاوزه بسبب نفوذ أي طرف".

واعتبر داغر أننا نريد خوض هذه المعركة داخل المؤسسات، وليس الانسحاب منها. ووجودنا على الطاولة يسمح لنا بمواجهة وزراء الممانعة مباشرة، بدلًا من ترك الساحة لهم.

وأكد داغر أن القول إن العهد الجديد لم يحقق أي شيء ليس صحيحًا، لأنه يجب أن ننظر إلى السياق الذي وصلنا منه. نحن نخرج من عقود طويلة من غياب الدولة الفعلية، ومن الحروب والانقسامات، ومن هيمنة الميليشيات والمافيات والتحالفات التي جمعت بين النفوذ السياسي والسلاح والمصالح المالية، فلا يمكن أن نتوقع أن تُحل كل هذه المشكلات في فترة قصيرة، ولا أن نعتبر أن كل ما لم يتحقق حتى الآن دليل على الفشل الكامل.

وقال: "من الخطوات المهمة التي حصلت أن رئيس الجمهورية جوزيف عون أصبح مستعدًا لفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهذه خطوة عملية، وليست مجرد خطاب سياسي، كما أن وصول جوزيف عون إلى الرئاسة ووصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة حصلا في سياق دولي وسياسي معروف، وكانت هناك توقعات بأن يقود هذا العهد مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة".

في ما يتعلق بقانون العفو العام، قال: "نحن ضد الصيغة المطروحة، ولا نرى أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بالطريقة التي اعتادت عليها الحكومات السابقة. من حق الناس أن تعترض على فكرة أن يُطرح قانون عفو عام كل عشر سنوات، بما يؤدي إلى خروج أشخاص ارتكبوا جرائم إلى المجتمع، من دون معالجة جذرية للمشكلات القضائية والأمنية التي أدت إلى توقيفهم أو إدانتهم، وعلينا أيضًا أن ننتبه إلى أن بعض القرارات تُتخذ في إطار المحاصصة السياسية والطائفية، وفق منطق توزيع الحصص بين القوى المختلفة، بدلًا من أن تكون مبنية على معايير واضحة ومبادئ ثابتة".

أضاف: "إذا كنا نريد بناء دولة فعلية، فعلينا أن نكون قادرين على التمييز بين ما تحقق وما لم يتحقق، وبين القرارات الصحيحة والقرارات الخاطئة، وأن نعمل على تصحيح الأخطاء بدلًا من اعتبار أن كل شيء قد فشل".

وقال: "لا يمكننا أن نستمر في النظر إلى لبنان من زاوية سوداء بالكامل. لقد مرّ البلد بأربعين أو خمسين سنة من الحروب والانقسامات وغياب الدولة، وعاش مراحل سيطرت فيها الميليشيات والمافيات، وأحيانًا تحالفت هذه القوى مع بعضها البعض لتكريس نفوذها ومصالحها. لا أقول إن كل شيء أصبح جيدًا، ولا أنكر وجود أخطاء كبيرة، لكن لا يجوز أيضًا أن نعتبر أن كل ما يحدث سيئ، أو أن نضع جميع القرارات والتطورات في خانة واحدة".