المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نبيل يوسف
الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026 07:18:23
تظاهرة 23 نيسان 1969 والجلسة النيابية عصر اليوم التالي. سيبقى ذاك الأربعاء مفصليًّا في تاريخ لبنان الحديث، فمنذ الصباح كان الجميع على أعصابهم: من يستكملون التحضيرات لانجاح التظاهرة ومن كانوا خائفين على ممتلكاتهم.
قرابة الظهر، أقفلت المدارس في بيروت الشرقية وطلب من كل الشباب الالتحاق بوحداتهم الحزبية: كان القرار واضحًا: غير مسموح للتظاهرة بالتكسير والتخريب.
يصف جورج حاوي ذلك النهار بالقول: "راحت الحشود تصل، فيما يحيى حمدان يشرب القهوة عند الرئيس رشيد كرامي، وما إن بدأنا التقدّم خطوات حتى بدأ الماء الحار والملوّث من خراطيم رجال الإطفاء ينهمر علينا، ثم إطلاق الرصاص في الهواء، وبعدها على مقدّمة التظاهرة مباشرة، وكان إلى جانبي الرفيق كميل مجدلاني، المسؤول عن منظمة حزبنا في بيروت، وقادة الأحزاب الأخرى، عندما اندفع شاب ليقف أمامي، ربما لإدراكه أن وجودي في المقدّمة خطر، وما كاد يصل حتى ارتمى صريعًا برصاصة في رأسه، وهو الشهيد صفوان دندشي من طرابلس، فعلا الصراخ، وانهمرت الحجارة وما توافر من عصيّ وقضبان حديد على قوى الأمن، وكبرت المواجهة وانتشرت في كل منطقة الطريق الجديدة عندما كان رجال الدرك يلاحقون المتظاهرين ويضربونهم بأعقاب البنادق".
أما الدكتور فريد الخازن فأورد في كتابه "تفكك أوصال الدولة اللبنانية"، أنه بعد انطلاق التظاهرة ولدى وصولها إلى محلة البربير بدأت المواجهات مع قوى الأمن، حين حاول المتظاهرون اقتحام القوة الأمنية المنتشرة في المنطقة لفتح طريقهم بالقوة، وبحسب أحد اليساريين من الذين شاركوا في المظاهرة، فإطلاق النار بدأ عندما تقدم شاب في العشرينيات من العمر يرتدي ملابس رياضية إلى الصف الأول، وفتح النار على رجال قوى الأمن، وكان ذلك بعد بدء المظاهرة بنحو 15 دقيقة، وما أن بدأ رجال قوى الأمن بإطلاق النار حتى ولىّ هاربًا، وبقي ذاك الشاب من أسرار الحرب اللبنانية.
أسفرت التظاهرة عن سقوط قتيلين وعدد من الجرحى، واعتقال العشرات، من بينهم القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، جناح العراق، نائب طرابلس في دورة 1972، الدكتور عبد المجيد الرافعي.
سرعان ما امتدّت المواجهات والصدامات إلى طرابلس وصيدا وبعلبك وصور، وأسفر هذا النهار الدامي عن 13 قتيلًا وقرابة 80 جريحًا.
حول تلك التظاهرة، يقول جوزف أبو خليل: "لم يكن ما جرى عرض عضلات عفويًا، لقد اعتبر اليسار اللبناني ما حصل حدثًا ثوريًا ذا أهمية غير مسبوقة، فمحسن إبراهيم، زعيم منظمة العمل الشيوعي، كان واضحًا عندما أعلن إشارة الانطلاق تنفيذًا للقرار بفتح المعركة مع الحكومة اللبنانية، والمفكّر الشيوعي مهدي عامل وصف التظاهرة بانتفاضة 23 نيسان، واعتبرها إنجازًا أيديولوجيًا ذا أهمية تاريخية، فمع هذه الانتفاضة انطلق كفاح لبنان الطبقي، ووُلدت قوة سياسية جديدة لكسر طوق النظام السياسي الذي تسيطر عليه البورجوازية، ولحماية المقاومة الفلسطينية".
عن التظاهرة يقول جورج حاوي: "بمبادرة من عباس خلف ومحسن دلول، تم إشراك وليد جنبلاط الذي كان طالبًا في الجامعة الأميركية في التظاهرة، وجُوبه بالقمع، فغطى ذلك موقف كمال جنبلاط غير المشارك، علمًا أن إحراجه بمشاركة وليد من دون رأيه ترك جرحًا في نفسه، وبمبادرة من أنور الفطايري شارك في التظاهرة طلاب الحزب التقدمي الاشتراكي بكثافة، وبعض قيادات الحزب".
يضيف حاوي: "بعد تفرّق التظاهرة، توجّهت إلى مركز الحزب الاشتراكي، فرآني كمال جنبلاط وآثار الدماء على ثيابي، وأدرك أنّي غير مصاب، وما أحمله هو من آثار المواجهة، وأخذني بسيارته إلى منزله، وعلى الطريق لم نتعاتب، وقال: المجرمون أطلقوا الرصاص، وسألني: ما العمل؟ فقلت له: ندعو الأحزاب إلى اجتماع، وهكذا كان، وعلى أثر الاجتماع تجدّدت الحركة الوطنية، فما حصل جعل اليسار المغامر يدرك أهمية مظلّة كمال جنبلاط، وصعوبة المعركة كانت تتطلّب مثل قيادة جنبلاط، والتحالف الاشتراكي - الشيوعي".
ليلا، أعلنت الحكومة منع التجول لمدة أربعة أيام، وبهدف امتصاص الغليان في الشارع، وجّه رئيس المجلس النيابي صبري حمادة دعوة إلى جلسة نيابية طارئة، تقرر عقدها عصر اليوم التالي، تخصص للاستماع إلى بيان وزير الداخلية الرئيس عادل عسيران حول الأحداث التي جرت ومناقشته.
على من يجب إعلان الحداد؟
في الموعد المحدّد، افتُتحت الجلسة، وطلب الرئيس حماده الوقوف دقيقة صمت حدادًا على الذين سقطوا يوم 23 نيسان، وكانت المفارقة أنّ قسمًا كبيرًا من النواب لم يقفوا.
بعدها أُعطي الكلام لوزير الداخلية الذي تلا بيانًا شرح فيه تفصيليًا ما جرى من لحظة تقديم طلب التظاهرة وما رافقه من أعمال ضغط على الحكومة للموافقة عليها، وصولا إلى الأحداث الأمنية المدبّرة التي جرت، وتعامل القوى الشرعية معها بكل رويّة حقنًا للدماء، ومنعًا لدخول "الطابور الخامس"، وانتقال أعمال الشغب من بيروت إلى عدّة مدن، وكأنّ يدًا خفية تحرّك كل شيء.
بعد انتهاء وزير الداخلية من تلاوة بيانه، أُعطي الكلام للرئيس كميل شمعون، وفي مداخلته أعلن بدايةً أنّه عندما طلب رئيس المجلس الوقوف حدادًا على الضحايا الذين سقطوا، لم يقف لأنّه يريد أن يعرف إذا كان هؤلاء الضحايا مجرمين، فلا يجوز الوقوف حدادًا عليهم، وإن كانوا أبرياء، فعلى الحكومة بدايةً توضيح سبب قتلهم وتوقيف قاتليهم. وطالب بوقف النقاش حاليًا في هذا الموضوع حتى تقدّم الحكومة تقريرًا مفصّلًا يحدّد المسؤوليات بوضوح، وأكمل مداخلته فشنّ هجومًا عنيفًا على تصرّفات الفدائيين الفلسطينيين وتجاوزاتهم بعيدًا عن أرضهم المحتلّة.
تلاه النائب سليم حيدر مدافعًا عن العمل الفدائي، مطالبًا باطلاق سراح جميع الموقوفين فورًا، ما دفع النائب قبلان عيسى الخوري للرد عليه بعنف رافضًا هذا الطلب جملة وتفصيلا.
ثم تحدّث النائب إدوار حنين باسم الكتلة الوطنية، مؤيّدًا تدابير الحكومة، خاصةً إعلان حالة الطوارئ، وختم كلامه متوجّهًا إلى الرئيس كرامي، مطالبًا بوضع الأمن في نصابه أولًا، طالبًا منه الردّ على الإشاعات التي انتشرت منذ الصباح عن نيّته تقديم استقالته، وقال له: "إن أردت الرحيل فلا بأس، على أن تأتي حكومة جديدة، لا مانع لدينا من أن تكون على رأسها، تضع الأمن في سلّم أولوياتها".
بعده تحدث رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط مفندًا المشاكل الاجتماعية، وانتقد الحكومة في أكثر من موضع، وصولا للمطالبة بانشاء مجالس تمثيلية تنتخب لمعاونة القائمقامين في الأقضية، وختم كلامه من دون تحديد موقف واضح مما جرى خلال وبعد التظاهرة.
في كلمته، انتقد الرئيس كامل الأسعد تصرّفات الفلسطينيين في الجنوب، معدّدًا التجاوزات التي تحصل والتي يدفع ثمنها الأهالي، معتبرًا أنّ استمرار الوضع الحالي هناك سيؤدي إلى نزوح جميع الأهالي، فتصبح القرى من دون ناس، ما يسهّل احتلالها، طالبًا من الدولة حزم أمرها دفاعًا عن الجنوب.
كلمة "الكتائب" التي كان ينتظرها الجميع ألقاها النائب إدمون رزق، وكانت الأعنف، ففصّل التجاوزات الفلسطينية بالوقائع والأرقام، رافضًا كل ما يجري، موجّهًا أسئلة عدّة للفلسطينيين، أبرزها: هل كانت أيّ دولة عربية تسمح لهم بالقيام بما يقومون به في لبنان؟ وأعلن رفض الكتائب الانجراف مع أيّ ردّة فعل، داعيًا الحكومة إلى تحمّل مسؤولياتها وحماية شعبها وممتلكاته، مطالبًا بأن تخرج الجلسة بعلاج سريع للأوضاع المتردّية، رافضًا منطق تطييب الخواطر والتسويات في هكذا قضايا تمسّ الأمن الوطني، وأكّد رفض الكتائب لأيّ بحث في إطلاق سراح أيّ موقوف اعتدى على القوى الشرعية والممتلكات العامة والخاصة، وطالب بإحالتهم على المراجع القضائية المختصّة، وأكّد أنّ الأيدي التي تساهم في تخريب لبنان يجب أن تُكسر.
وختم كلامه داعيًا الحكومة إلى أن تضع نصب عينيها مصلحة لبنان، وأن تكون حكيمة في فرض التدابير أيًّا كان نوعها لمواجهة الأحداث، معلنًا دعم الكتائب لكل التدابير المتّخذة حفاظًا على الأمن والاستقرار.
من ثمّ تحدّث الرئيس عبد الله اليافي مدافعًا عن العمل الفلسطيني ومهاجمًا الحكومة، وأعلن أنّ جميع الذين أُصيبوا من قبل قوى الأمن كانوا عُزّلا، وطالب بإطلاق سراح الموقوفين.
هنا تدخّل وزير الداخلية الرئيس عادل عسيران، وسأل الرئيس اليافي: "هناك 5 رجال أمن قُتلوا وأكثر من 20 آخرين أُصيبوا بجراح، فمن أطلق الرصاص عليهم؟".
تتالت كلمات النواب، فتحدّث عدنان الحكيم، فريد جبران ومعروف سعد، مهاجمين الحكومة ومعلنين تأييدهم للفدائيين، فيما أعلن النواب بشير الأعور، عصام الحجار، نهاد بويز، الأب سمعان الدويهي وحبيب مطران إيمانهم بوجوب المحافظة على لبنان ودعمهم لما قامت به القوى الأمنية حفاظًا على البلاد.
في ختام المناقشات، أُعطي الرئيس رشيد كرامي الكلام، فعدّد إنجازات حكومته من تاريخ تشكيلها، وتحدّث عن الخطر الصهيوني الذي يهدّد لبنان وجميع البلدان العربية، واعتبر أنّ لا مصارحة بين اللبنانيين حول القضايا المصيرية، وفي ختام كلمته قدّم استقالة حكومته "إيمانًا مني بالديمقراطية، وإفساحًا في المجال لتحديد مواقفنا جميعًا مما يجري اليوم في لبنان".
هذه الاستقالة السريعة، التي كانت متداولة منذ الصباح، وصفها الشيخ بيار الجميل، وهو يخرج من الجلسة، بالهروب من تحمّل المسؤولية، وأمّا الرئيس شمعون فقال إنّه كان ينتظرها منذ البارحة.
وكانت موضع انتقاد من قبل عدّة قياديين لبنانيين، الذين رأوا فيها تهرّبًا من المسؤولية، فيما رأى البعض الآخر أنّها ضرورية لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم.