أثار الموقف الإيراني في سياق النقاش الجاري بين طهران والولايات المتحدة الأميركية حول البنود السبعة، برعاية قطرية، تساؤلات كثيرة، خصوصاً في ظل إصرار طهران على انسحاب إسرائيل من لبنان ووقف الحرب فيه. فهل ينبع ذلك من القلق و"المحبة" اللذين تبديهما الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه لبنان؟ أم أن ثمة خلفيات ودوافع أخرى – وهنا بيت القصيد – أبرزها تمسّك طهران بالورقة اللبنانية من خلال "حزب الله"، حليفها الأبرز استراتيجياً وإيديولوجياً وعقائدياً، بما يضمن بقاء هذه الورقة في متناولها؟
فماذا عن هذا الموقف الإيراني ودوافعه وأسبابه وخلفياته؟
النائب السابق فارس سعيد قال لـ"النهار" إن من الطبيعي أن تكون إيران قد اعتمدت سياسة تجميع الأوراق تحضيراً للحظة التفاوض مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولكن، طبعاً، مع الولايات المتحدة. وبالتالي، أمسكت بالورقة اللبنانية من خلال "حزب الله"، وبالورقة الفلسطينية عبر "حماس"، وكذلك بالورقة السورية من خلال بشار الأسد. وهي تمسك بجزء كبير من القرار العراقي، وتهدد أيضاً أمن الخليج، وتحديداً المملكة العربية السعودية، من خلال الحوثيين. كما لديها ورقة الممرات المائية. وبالتالي، لن تتخلى عن هذه الأوراق ما لم تصل إلى إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة يضمن مصالحها.
ويتابع سعيد قائلاً: "أعتقد أننا على مشارف مرحلة جديدة بعد الانتخابات الأميركية. فإما أن نذهب إلى تسوية فورية بين الولايات المتحدة وإيران، وعندها تكون إيران قد حققت انتصاراً كبيراً من خلال صمودها، وإما أن نذهب إلى حسم عسكري، وعليه سنرى ماذا سيحصل".
من جهته، أوضح رئيس الهيئة التنفيذية في حركة "أمل" مصطفى فوعاني لـ"النهار" أن تمسّك إيران بلبنان وغزة لا يمكن فهمه من زاوية الإمساك بأوراق تفاوضية فحسب، بل ينبغي قراءته في سياق الصراع العقائدي والسياسي والاستراتيجي المفتوح مع إسرائيل.
فعلى المستوى العقائدي، يستند هذا الموقف إلى اعتبار إسرائيل مشروع احتلال وتوسّع يهدد الأرض والحقوق والكرامة ومستقبل شعوب المنطقة، وهو ما عبّر عنه الإمام السيد موسى الصدر بوضوح حين قال: "إسرائيل شرّ مطلق". فالمواجهة، في هذا المنظور، ليست مجرد خلاف سياسي أو نزاع حدودي، بل موقف مبدئي من الاحتلال والعدوان واغتصاب الحقوق.
ويضيف فوعاني: "أما على المستوى السياسي، فإن فلسطين تبقى جوهر هذا الصراع ورمزه، وقد عبّر الرئيس نبيه بري عن هذا الالتزام في مواقفه الداعمة لفلسطين، مؤكداً أن مواجهة العدوان تتطلب وحدة الموقف وتحصين الجبهة الداخلية".
وعلى المستوى الاستراتيجي، يرى فوعاني أن إيران تعتبر لبنان وغزة موقعين أساسيين في معادلة الردع، بما يمنع إسرائيل من الاستفراد بكل ساحة وفرض تفوقها العسكري وقائع سياسية على المنطقة، واحتكار شروط أي تسوية مقبلة.
ويخلص فوعاني إلى أن الاحتفاظ بعناصر القوة في لبنان وغزة يتيح لإيران التأثير في مسار الصراع ومآلاته، ويحفظ للقضية الفلسطينية حضورها في أي معادلة إقليمية أو دولية. وبذلك، فإن المسألة في الحسابات الإيرانية تتجاوز الإمساك بورقة تفاوضية؛ إنها تداخل بين التزام عقائدي بالقضية الفلسطينية، وحساب استراتيجي لميزان الردع، وهدف سياسي يتمثل في منع إسرائيل من تحويل قوتها العسكرية إلى هيمنة مطلقة على الأرض والقرار ومستقبل المنطقة.