المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نبيل يوسف
السبت 3 تشرين الأول 2026 08:46:13
أتت فكرة تأمين الخبز من ابن حلتا البترونية مسعود الحويك في صيف 1978 اندلعت حرب المئة يوم وراحت القذائق السورية تدك شوارع وأحياء بيروت الشرقية دكًّا غير مسبوق، ووصل جنون القصف إلى ساحل ووسط المتن الشمالي وكسروان، لكن قرى وبلدات وسط وجرد البترون بقيت بعيدة من هذا الجنون، وكان ساحل البترون أصبح اعتبارًا من 28 حزيران 1978 تحت سيطرة القوات السورية.
تقطعت الطرقات وانقطع كل شيء، وأصبح الحصول على رغيف خبز إنجازًا: هنا أتى الحل من منطقة البترون.
أتت الفكرة من ابن حلتا البترونية مسعود الحويك، أحد قادة وحدات المغاوير في "القوات اللبنانية" (استُشهد عام 1980): في القرى والبلدات البترونية أفران قديمة، كانت تستعمل لصنع الخبز العربي أو ما يسمى في قرانا "الخبز المرقوق"، وأعيد العمل فيها خلال حرب السنتين (1975 – 1976) لتتوقف مجددًا بعد انتهاء تلك المرحلة من الحرب، فلما لا يعاد العمل فيها؟
تم إطلاع نائب البترون الدكتور جورج سعاده على المشروع، فوافق وبدأ العمل. طُرح الصوت في القرى البترونية: أهلنا في بيروت محاصرون والمقاتلون يريدون خبزًا.
هبّ الجميع للعمل: الرجال توجهوا الى تلك الأفران وأعادوا تنظيفها وجهزوها، وأحضروا حزم الحطب، فيما النساء شددن الأقمطة على رؤوسهن استعدادًا للعجين والعمل في الأفران.
كان المطلوب تأمين الطحين، فتكفل شباب منطقة البترون رغم الخطر بتأمينه من مطاحن بيروت بحرًا الى مرفأ جونيه ومنه بالشاحنات إلى القرى البترونية، في رحلة شاقة تبدأ من جبيل صعودًا إلى بلدة ميفوق في جرد منطقة جبيل ومنها إلى البلدات البترونية.
بدأ العمل: المعاجن يزداد الخبز العربي فيها وشباب المقاومة اللبنانية يجولون على القرى البترونية يجمعون الخبز ويهبطون به إلى مرفأ جونيه ومنه بحرًا إلى مرفأ بيروت ليوزع على المحاصرين في الملاجىء.
معظم أهالي وساكني بيروت وقتها ما كانوا يعرفون هذا الخبز، وأشعرهم طيب مذاقه أنه هدية من الله في هذه الأيام القاسية، فكما أطعم الآلاف في تلك المعجزة، ها هو يوزع عليهم اليوم هذا الخبز المقدس.
أيام وليالي قضاها شباب ورجال ونساء منطقة البترون، وحتى كبار السن منهم: يؤمنون الطحين من جونيه إلى قرى البترون ليعجنونه ليلا ويخبزونه نهارًا ويعاد إلى بيروت خبزًا طازجًا رائحته أشهى من طعمته.
كميات وكميات من الخبز العربي أو المرقوق أمنتهم البلدات البترونية للمقاتلين والمحاصرين، فشكل هذا العمل دعمًا إضافيًا لصمود الأشرفية وباقي المناطق الشرقية.
بدأ هذا المشروع في الثلث الأخير من شهر تموز 1978 واستمرّ حتى إعلان وقف إطلاق النار أواخر شهر أيلول، ولم يتوقف سوى أسبوعين تقريبًا ما بين الأسبوع الأخير من آب والأسبوع الأول من أيلول عندما اقتحمت القوات السورية بعض قرى وبلدات وسط البترون فخرجت حوالى 18 بلدة بترونية وقعوا تحت السيطرة السورية من هذا المشروع.
في أول لقاء جمع الشيخ بشير الجميّل والدكتور جورج سعاده بعد انتهاء حرب المئة يوم، قال الشيخ بشير للدكتور جورج: كان طعم هذا الخبز رائعًا أكلناه حتى لوحده، أشكر أبناء منطقة البترون باسمي على جهودهم.
كانت أيام قاسية، لكن بشهادة من عايشها وما زال على قيد الحياة كانت أيام رائعة مميزة مشبعة بروح الوطنية والحرية والسيادة.