أزمة الحليب في لبنان… خسارة للمزارعين وأرباح للتجار

يُرمى الحليب في البقاع أو يُباع بخسارة، فيما تُباع مشتقاته بأسعار مرتفعة في الأسواق. معادلة تختصر خللًا عميقًا في سوق يُفترض أنها من أهم عناصر الأمن الغذائي اللبناني. في هذه المفارقة، لا تُحدَّد الأسعار وفق كلفة الإنتاج، بل وفق ميزان القوة: مزارع مضطر للبيع بأي ثمن، ومعامل تفرض شروطها في غياب رقابة فعلية.

هكذا وجد مربّو الأبقار في البقاع أنفسهم في واحدة من أسوأ أزماتهم في السنوات الأخيرة، بعدما تراجع عدد من التجّار والمعامل عن استلام الحليب وفق تسعيرة وزارة الزراعة، دافعين المنتجين نحو الخسارة، وأحيانًا إلى رمي إنتاجهم وتركه يتلف. 

 

الوزارة حاضنة.. ولكن

قبل نحو عام أصدرت وزارة الزراعة تسعيرة، استندت فيها إلى دراسة علمية لكلفة عناصر الإنتاج، وهدفت إلى حماية المزارع والمستهلك معًا. ويعلّق رئيس مصلحة إنتاج وتربية الحيوان في الوزارة الدكتور محمد سكرية في حديث لـ"المدن" بالقول إنّ "التسعيرة وُضعت بعد احتساب ودراسة كامل الكلفة، من أعلاف وطبابة ويد عاملة وتفاوت سعر الصرف"، وهي تشكّل مرجعًا عادلاً يُفترَض الالتزام به.

وبحسب سكرية حُدِّد سعر كيلو الحليب بـ0.74 دولار للحليب الساخن في المزرعة، و0.77 دولار للحليب المبرّد، و0.80 دولار في حال تسليمه مبرّدًا إلى المعمل.

ومع تفاقم الأزمة في البقاع الشمالي، وانخفاض سعر الكيلو إلى ما دون 60 سنتًا، وبسبب التأخّر في الاستلام، عُقد اجتماع في وزارة الزراعة مؤخراً برئاسة الوزير نزار هاني، خلُص إلى توجيه المعامل لاستيعاب أكبر كمية ممكنة من الإنتاج، وأصدر الوزير قرارًا بتجميد استيراد حليب البودرة بمختلف أنواعه لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد بعد دراسة السوق.

مع ذلك تبقى قدرة الوزارة على فرض تطبيق التسعيرة محدودة، في ظل غياب آليات رقابة فعّالة، ما يؤدي إلى تفاوت كبير في الأسعار بين منطقة وأخرى.

 

المربّون.. الحلقة الأضعف

في المقابل يقدّم المنتجون رواية مختلفة. نقيب مربّي البقر الحلوب في لبنان خالد الحج يؤكد في حديث لـ"المدن" أنّ الأزمة مزمنة وليست وليدة اللحظة، داعيًا إلى "خطّة اقتصادية مستدامة بدل المعالجات المرتجلة الظرفية".

ويشرح الحج أنّ "المعامل والتجّار لا يلتزمون بتسعيرة الوزارة، بل يفرضون أسعارًا أدنى، مستفيدين من حاجة المزارع لتصريف إنتاجه اليومي"، مشيرًا إلى أنّ الحليب "سلعة سريعة التلف، ما يضع المربّي في موقع ضعيف يُجبِره على القبول بسعر التاجر".

وأشاد الحج بقرار وقف استيراد الحليب، معتبرًا أنّه "قد يساهم في رفع السعر تدريجيًا، ويساعد المزارع ويُخفف عنه"، لكنه يحذّر في المقابل من استخدام الزيوت المهدرجة في صناعة الألبان والأجبان (هذه الزيوت تدخل بترخيص من وزارتي الصناعة والاقتصاد)، واصفًا إياها بـ"السمّ المباع على أنّه منتج نباتي طبيعي، إذ لا تتجاوز كلفة انتاج الكيلو 2.25  دولارًا ويُباع بنحو 8 دولارات"  ومطالبًا وزارة الصحة بالتدخل العاجل حماية لصحة المواطن.

 

خسارة المُنتِج وربح السوق

على مستوى المزارعين، تبدو الصورة أكثر قسوةً وأشدّ وطأة. ويطرح حمزة الزكرة صاحب مزرعة أبقار في بعلبك، سؤالاً يُلّخص في مضمونه جوهر الأزمة القائمة: "كيف ينخفض سعر الحليب من المزرعة، فيما ترتفع أسعار الأجبان والألبان في السوق؟".

ويضيف أنّ المُنتِج "يتحمّل الخسارة، فيما تستفيد باقي الحلقات من هوامش ربح أعلى،" لافتًا إلى أنّ ارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات والأدوية يزيد الضغط على المزارعين في ظل غياب أي دعم رسمي فعلي.

 

المعامل: فائض الانتاج ذريعة

في المقابل، ينظر أصحاب المعامل والتجّار إلى الأزمة من زاوية مختلفة. فيُبرّر علي مطر صاحب مجمع حليب موقفهم بأنّ تسعيرة وزارة الزراعة "توجيهية وليست إلزامية"، وهي قائمة، بحسب رأيه، على تقديرات غير دقيقة للسوق وحجم الإنتاج.

ويشرح أنّ الدراسة بُنيت على إنتاج يومي يتراوح بين 300  و350 طنًا، في حين أنّ الإنتاج الفعلي يتجاوز 600 طن، ما يجعل الالتزام بالسعر المحدّد أمرًا صعبًا، ويهدد بتلف كميات كبيرة من الحليب.

ويربط مطر الأزمة بعدة عوامل متزامنة، أبرزها فائض الإنتاج، وتداعيات الحرب، وكميات الحليب المجفف، إضافة إلى التهريب.

 

خلل بنيوي وسوق بلا ضوابط

اقتصاديًا، تكشف هذه الأزمة خللًا بنيويًا في تنظيم قطاع تربية الأبقار. فالتسعيرة الرسمية، ورغم استنادها إلى معايير موضوعية، تبقى حبراً على ورق، ما لم تُقرن برقابة فعّالة وإجراءات إلزامية. كما أنّ غياب التعاونيات ومراكز التجميع والتبريد الحديثة يضعف قدرة المزارعين على التفاوض، ويجعلهم رهائن للسوق.

أمام هذا الواقع المأزوم، يواجه القطاع في البقاع خطر الانكماش التدريجي. فالمزارع الذي يخسر اليوم قد يخرج غدًا من الإنتاج، ما يهدد الأمن الغذائي ويجعله أسير الاستيراد.

وبين تسعيرة رسمية لا تُطبّق وسوق غير منظّمة، يبقى قطاع الحليب في البقاع عالقًا بين فائض الإنتاج وخسارة المنتج، في معادلة مفتوحة لا يبدو لها حلًا من دون تدخل حازم من الدولة. في هذه السوق لا يُسعَّر الحليب، بل يُسعَّر المزارع.