"أزمة بقاء سياسي".. لماذا يعرقل الحرس الثوري المفاوضات؟

أثار الغموض المحيط بالموقف الإيراني من المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة تساؤلات بشأن طبيعة الموقف داخل طهران، خاصة ما إذا كان الحرس الثوري يلعب دورا في عرقلة مسار المحادثات أو التأثير على فرص التوصل إلى اتفاق.


ويقول محللون عسكريون ومراقبون في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن دور الحرس الثوري برز جليًا في عرقلة أي تقدم تفاوضي مع الولايات المتحدة، من خلال إعادة إغلاق مضيق هرمز، ورفض المشاركة في جولات جديدة من المحادثات، وفرض سيطرته على الموقف الإيراني الرسمي، وسط "مناورات" لتعزيز موقفه في الداخل والخارج.

هذا الانقسام عبر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منشور على تروث سوشال مساء الثلاثاء عندما قرر تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، قائلا: "استناداً إلى حقيقة أن حكومة إيران تعاني من انقسام حاد، وهو أمر غير مفاجئ، وبناءً على طلب المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، طُلب منا تعليق هجومنا على إيران إلى حين تمكّن قادتها وممثلوها من التوصل إلى مقترح موحّد. وعليه، فقد وجّهتُ قواتنا العسكرية إلى مواصلة الحصار، مع البقاء في حالة جاهزية تامة من جميع النواحي. كما سنقوم بتمديد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم هذا المقترح والانتهاء من المناقشات، أياً تكن نتائجها".

عقدة وحيدي.. ماذا يحدث داخل إيران؟

يأتي ذلك في الوقت الذي كشف فيه تقرير نشرته "بلومبرغ" أن مسار التفاوض مع واشنطن يكشف عن انقسام داخل إيران بين تيار محافظ يدفع نحو تشدد أكبر، وتقوده شخصيات من بينها قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، وتيار أقل أيديولوجية يميل إلى إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، ويضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وقالت المصادر إن وحيدي يدفع باتجاه موقف تفاوضي أكثر صرامة، في حين تميل شخصيات أقل أيديولوجية داخل القيادة الإيرانية إلى التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، وسط حساسية متزايدة داخل دوائر الحكم الإيرانية بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الأمريكية.

ونقلت شبكة "سي إن إن" أن إغلاق مضيق هرمز ساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن استئناف المفاوضات، مشيرة إلى أن إيران كانت قد أبدت استعدادًا أوليًا لإرسال وفد إلى باكستان، على أن يقوده محمد باقر قاليباف في حال ترأس فانس الوفد الأميركي، في حين ربطت طهران لاحقًا مشاركتها برفع ما وصفته بـ"الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية"، وهو ما يُعد أحد أبرز أسباب التعثر الحالي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها الخلاف بين الحرس الثوري وقادة المستوى السياسي في إيران، إذ سبق أن لفت تقرير نشرته "إيران إنترناشيونال" إلى حدوث خلافات جدية بين بزشكيان وقائد الحرس الثوري بشأن طريقة إدارة الحرب وتداعياتها على معيشة الشعب واقتصاد البلاد، إذ انتقد بزشكيان حينها نهج الحرس الثوري فيما يتعلق بتصعيد التوتر.

كما بدت فجوة الخلاف مع إعلان عراقجي الأسبوع الماضي إعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط والغاز المسال عالميًا، قبل أن يتراجع الحرس الثوري عن القرار بعد ساعات فقط.

أزمة بقاء بعد الضربات الموجعة

ووفق تقدير عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مهدي عقبائي، فإن "العمود الفقري الحقيقي للنظام الإيراني، سواء في عهد خامنئي أو في عهد ابنه مجتبى، هو الحرس الثوري، لذلك فإن الحرس يستخدم ذراعي النظام معًا في هذه المرحلة؛ فمن جهة يعرقل ويشدد ويرفع السقف، ومن جهة أخرى لا يغلق باب التفاوض نهائيًا".

وبيّن عقبائي في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الحرس شدد قبضته على القرار في زمن الحرب، وأن موقف طهران التفاوضي ازداد تصلبًا مع تنامي نفوذ الحرس داخل آلية صنع القرار".

ووصف تلك الحالة بأن "الحرس الثوري بات يعاني من أزمة بقاء سياسي بعد الضربات الموجعة خلال الحرب، إذ خرج منها وهو يشعر بأن صورته كقوة ردع وهيمنة تعرضت لهزة كبيرة، ولهذا أصبح أكثر حساسية تجاه أي خطوة قد تُفهم كتنازل أو تراجع".

وفي تقدير عقبائي، فإن التناقض بين الخطاب السياسي الأكثر مرونة والخطاب الأمني الأكثر تشددًا "أحد أشكال المناورة من أجل البقاء".

تفاوض 

وقال المسؤول السابق في البنتاغون والزميل البارز في معهد "أميركان إنتربرايز"، مايكل روبين، في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، إن "الحرس الثوري يعرقل المفاوضات لأن قاليباف يتفاوض باسم نفسه وليس باسم الجميع داخل النظام، كما أنهم يعتقدون أنهم قادرون على المماطلة والصمود حتى نهاية ولاية ترامب أو تجاوزه سياسيًا".

وأشار روبين، الذي سبق أن عمل مستشارًا لوزير الدفاع الأميركي لشؤون إيران، إلى أن التناقضات في الموقف الإيراني تعود إلى احتمالين؛ الأول أن داخل البلاد عدة تيارات متنافسة؛ فقد يكون قاليباف صادقًا في مواقفه، لكنه لا يملك القدرة على فرض ما يقوم به أشخاص مثل وحيدي، على سبيل المثال.

أما الاحتمال الثاني فهو أن الإيرانيين موحدون فعليًا، لكنهم يتعمدون لعب دور الشرطي الجيد والشرطي السيئ. ففي السابق كان الإصلاحيون ينتزعون تنازلات عبر التفاوض، ثم يعترض المتشددون ويطالبون بشروط جديدة وتنازلات إضافية، بحسب روبين.

لكن مع ذلك، يرى المسؤول السابق في البنتاغون أن "الحرس الثوري أضعف مما كان عليه قبل الحرب، وأكثر ميلًا إلى الشك والحذر"، مشددًا في الوقت ذاته على أنه "ما دام يملك القدرة على الوصول إلى أمواله فإنه يظل قوة حقيقية، وكما يقول البعض فإن الحرس أصبح أكثر تشددًا، لكن ما يعنيه ذلك فعليًا هو أنه أصبح أصغر حجمًا من الناحية التنظيمية".

وأضاف: "من تبقى من قادة الحرس الثوري أصبحوا أصعب في التعامل معهم، إذ لم يعد ممكنًا احتواؤهم، بل يجب التعامل معهم بصورة مباشرة وحاسمة".