المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
السبت 25 تموز 2026 12:50:04
رغم رفع تعرفة الكهرباء في العام 2022، إلاّ أنّ مؤسسة كهرباء لبنان لم تستطع نقل واقع التغذية إلى برّ الأمان بما يضمن تغذية كافية وتقليل الاعتماد على المولّدات الخاصة، مع أنّ رفع التعرفة أمَّنَ للمؤسسة إيرادات مالية مكّنتها من استيراد الفيول ووقف الاعتماد على سلف الخزينة. وعملياً، تؤمّن المؤسسة اليوم ما بين 4 إلى 6 ساعات كهرباء يومياً، تتفاوت معدّلات توزيعها بين المناطق. إلاّ أنّ هذه التغذية لن تدوم طويلاً بفعل تراجع القدرة على تأمين الفيول إثر ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما يضع الناس أمام خسارة "فتات" الكهرباء، في وقت يرفض فيه مجلس الوزراء إعادة رفع التعرفة كي لا يحمّل الناس أعباءً إضافية وسط الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة. وبالتوازي، لا تستطيع الدولة دفع مستحقاتها لمؤسسة الكهرباء، الأمر الذي يضع المؤسسة ووزارة الطاقة في موقف حرج ويتطلّب من الوزير اتخاذ قرارات سريعة.
اتخاذ القرار المناسب
مع ارتفاع أسعار النفط تعود إلى الواجهة جدلية عدم قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين الفيول لضمان استدامة التغذية. وبحسب وزارة الطاقة، يكمن جوهر المشكلة في غياب التمويل الكافي، الذي بدوره يُعود إلى سببين رئيسيين: الأوّل هو عدم إعادة النظر دورياً بالتعرفة لتتناسب مع تغيّر الأسعار والأكلاف، والثاني عدم التزام الدولة والكثير من المواطنين بدفع المستحقات. ويضاف إلى مشكلة التمويل، استمرار الهدر الفني والتقني على الشبكة.
عند رفع التعرفة قبل نحو 4 سنوات، كان من المفترض أن يعاد النظر فيها كل شهرين إلى 3 أشهر. إلاّ أنّ الظروف الاقتصادية والسياسية منعت ذلك. وأتت الحرب الإسرائيلية التي شهد لبنان جولاتها منذ العام 2024 وتداعيات الحرب الإيرانية الأميركية منذ شباط 2026، لتقفل الباب أمام رفع التعرفة. فرغم مطالبة وزير الطاقة والمياه جو الصدي برفع التعرفة انطلاقاً من أنّ ارتفاع أسعار النفط عالمياً "يجعل الخيار الطبيعي هو إعادة النظر في الأسعار"، إلاّ أنّ مجلس الوزراء رأى أنّ "الوقت غير مناسب الآن لتعديل التعرفة، نظراً للظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد"، وفق ما أكّد الصدي.
وحسم ملف إبقاء التعرفة على حاله في الوقت الراهن، يعني أنّ على مؤسسة الكهرباء تحصيل مستحقاتها من المواطنين والدولة. وبما أنّ التحصيل من المواطنين في وقت سريع غير ممكن لأسباب لوجستية من جهة وعدم تجاوب المواطنين من جهة أخرى، يبقى الحل الأسرع هو تجاوب الدولة، وهو ما اتجه نحوه الصدي، مشيراً إلى أنّ مؤسسة الكهرباء تريد من الدولة ما يتراوح بين 330 و340 مليون دولار. لكن يمكن الاكتفاء حالياً بنحو 250 إلى 260 مليون دولار، وهي المستحقات المتراكمة على الدولة حتى نهاية كانون الأول 2025. ولسداد المبلغ الأقل، اقترح الصدي تقسيط المبلغ بمعدّل 50 مليون دولار شهرياً، تمكِّن المؤسسة من شراء الفيول لتغطّي إنتاج 4 إلى 5 أشهر مقبلة. ومع عدم التجاوب مع هذا المقترح، وضعَ الصدي الدولة أمام أسبوع حاسم، فإمّا أنّ يكون هناك "تعهّد صارم بتسديد 50 مليون دولار شهرياً لمدة أربعة أو خمسة أشهر، اعتباراً من الأسبوع المقبل، أو سأعيد النظر في كيفية التصرّف، وسأتخذ ما أراه مناسباً".
ما يحتاجه الصدي هو حلول سريعة وقابلة للتحقيق. ولذلك، إما أن تبادر الدولة إلى تأمين مبلغ مالي من واردات المؤسسات والإدارات العامة، أو تعود إلى سلف الخزينة، لكنها في هذه الحالة ستواجه مصرف لبنان الذي يرفض الانزلاق مجدداً إلى مستنقع السلف. وفي حال عدم قدرة الدولة على تأمين التمويل اللازم، لا يبقى أمام الصدي سوى خيارات محدودة يتّخذها بالتنسيق مع مؤسسة كهرباء لبنان وتقوم على إعادة ترشيد الإنتاج للحفاظ على استمرار ساعات التغذية لأطول فترة ممكنة، عوض نفاد مخزون الفيول والوصول إلى انقطاع شامل للكهرباء. وبهذا الخيار، تصبح المؤسسة ووزارة الطاقة أمام توجيه الإنتاج الأكبر من الكهرباء نحو المراكز الحيوية، مثل محطات ضخ المياه، المستشفيات، المطار، المرافئ، محطات الاتصالات والمؤسسات الأمنية.
وأيضاً، يمكن للمؤسسة والوزارة الشروع باتخاذ إجراءات عملية تخفّف الضغط عن الشبكة، بدءاً بطلب خفض الاستهلاك في المؤسسات والإدارات العامة، وإطلاق حملة مكافحة الهدر وإزالة التعديات على الشبكة. لكن هذا القرار، رغم أهميته وضرورته، يستدعي الصِدام مع شريحة واسعة من الناس وأصحاب المصالح والمؤسسات التي تستهلك الكهرباء بشكل غير شرعي، الأمر الذي قد يفتح باب التدخلات السياسية.
وفي الوقت عينه، يمكن أن يطلق الصدي والحكومة حملة لطلب مساعدات طارئة من الدول الصديقة والمؤسسات الدولية، فضلاً عن محاولة التفاوض مع مورّدي الفيول لتعديل شروط الدفع بآجال أطول، ما يخفّف الضغط على السيولة المتوفّرة لدى مؤسسة الكهرباء. ومع ذلك، تبقى على مؤسسة كهرباء لبنان مسؤولية إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لديها، أي إعادة توجيه السيولة المتوفّرة وعدم التسرّع في دفع نفقات تشغيلية أو استثمارية يمكن تأجيلها أو إعادة جدولتها، وتالياً تحويل الأموال المتوفّرة نحو شراء كميات إضافية من الفيول.
أسبوع حاسم
ما يُقبل عليه لبنان واللبنانيون من إجراءات تتعلّق بالكهرباء ليس مستجداً. فالأزمة نفسها قديمة وتتجدّد كل عام بأوجه مختلفة تبعاً للظروف. وتكرار المشكلة وتداعياتها ليس إلاّ نتاج الفوضى التي تعيشها مختلف وزارات وإدارات ومؤسسات الدولة التي تعمل وفق مبدأ ردّ الفعل وليس التخطيط وتوقّع المشاكل وتحضير الحلول الممكنة. ومشكلة ارتفاع أسعار النفط عالمياً بفعل الحرب الأميركية الإيرانية ليست هي الأزمة بحدّ ذاتها، فأسعار النفط لم تتغيّر بهامش كبير مقارنة بين اليوم وما كانت عليه في العام 2022 عند رفع التعرفة. لكن ما تغيّر هو بعض الأكلاف المرتبطة بالتأمين والشحن ومخاطر نقل النفط. وعلى المستوى الداخلي، لا تزال الفوضى تحكم قطاع الكهرباء لجهة غياب آليات إلزام الجهات الرسمية والمواطنين بدفع ما يتوجّب عليهم، وينطلق ذلك بشكل كبير من الواقع السياسي الذي يغطّي الفساد والتهرّب من دفع المستحقات.
ويضاف إلى ذلك، فشل مؤسسة كهرباء لبنان في تطوير القطاع عبر تحسين الجباية وتأهيل الشبكات وخفض الهدر والتعديات، رغم أنّها صرفت مليارات الدولارت على برامج تطويرية انتهت إلى تلزيم شركات مقدمي خدمات أضرّوا بالقطاع بدل تحسينه وتطويره. وهذا الأمر يعني أنّ انتظار الحلول السحرية لمشكلة الفيول والكهرباء غير وارد، ما يُبقي الناس أمام حلّ وحيد، وهو التقنين والعتمة الشاملة. وبما أنّ ساعات التغذية القليلة التي ينعم بها اللبنانيون، تخفّف فاتورة المولّدات الخاصة، فإنّ هذه الفاتورة سترتفع قريباً مع اتخاذ المؤسسة والوزارة إجراءات التقنين.
على أنّ ما نقترب منه يعزّز بشكل مباشر المطالبة بتسريع خطوات خصخصة القطاع، وهو ما تتحضّر له وزارة الطاقة والهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء. وتتجّلى مظاهر الخصخصة بتفكيك الأنشطة المتعلّقة بخدمة الكهرباء، وإسناد كلّ نشاط منها إلى شركات يتولّى بعضها الإنتاج والتوزيع والجباية، على أن يبقى النقل بيد الدولة، لكن ليس عبر مؤسسة كهرباء لبنان، وإنما عبر شركة عامة مساهمة ستُنشأ لاحقاً. وسيتكامل هذا التوجّه مع تحريك ملف الإنتاج عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلاً عن المشاريع التي تبحثها الوزارة راهناً، ومنها استجرار الكهرباء عبر كابل بحري من قبرص، إلى جانب مشروع استجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر.
ومع أنّ هذه المشاريع محالة إلى الوقت والظروف السياسية والأمنية، إلاّ أنّها لا تضمن حصول المواطنين على الكهرباء خلال وقت قصير، ما يتركهم عرضة للتقنين والعتمة وارتفاع فواتير المولّدات الخاصة. ولعلّ هذا هو جوهر الأزمة بالنسبة إليهم، بعيداً من ضوضاء المشاريع المتوسطة أو البعيدة الأجل، والمحكومة سلفاً بالفشل في ظل عدم تغيير البيئة العامة التي يجري خلالها التحضير لتلك المشاريع. وعليه، فإنّ الأسبوع الحاسم ليس إلاّ أسبوع عتمة تعود فيه أزمة الكهرباء إلى نقطة الصفر.