المصدر: المدن
الكاتب: ميساء عطوي
الخميس 5 شباط 2026 13:27:41
إعتاد المواطن اللبناني أن يراقب الأسعار وهي ترتفع بلا هوادة، مثقلة كاهله يوماً بعد يوم، حتى ترسّخ في وعيه أنّ الانخفاض بات استثناءً لا يُعوَّل عليه، وفي سوق لطالما اتّسم بالضغط المستمر على المستهلك، جاء تراجع سعر المعسّل ليغيّر المسار المعتاد للأسعار رأساً على عقب، وليصبح خبراً ساراً لدى مدخّني الأرغيلة وأصحاب المقاهي وعشاقها على حدّ سواء، على الرغم من الضرر البالغ الذي يتركه التدخين بصحة الأفراد.
وقد انخفض السعر بنحو النصف خلال أيام قليلة، مسجّلًا تحوّلًا مفاجئاً داخل سوق اعتاد الموجات التصاعدية للأسعار لا الانخفاضات، فما هي الأسباب التي دفعت هذا الانخفاض المفاجئ؟
سبب الإرتفاع
رغم الترحيب بانخفاض الأسعار من قبل المدخنين، فإن فهم مساره يقتضي العودة إلى المقدمات التي سبقته، ولا سيما الارتفاع الحاد الذي سجّلته بعض الأصناف خلال الفترة الماضية، بغية الإضاءة على الأسباب التي دفعت الأسعار إلى هذا المسار المتقلّب والعوامل التي غذّتها.
من هذا المنطلق أوضحت إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي) في حديث خاص لـ"المدن"، أنّ الارتفاع الذي سجّل في أسعار بعض أصناف المعسّل، ولا سيما أصناف "النخلة"، خلال شهر كانون الأول 2025، جاء نتيجة زيادة الطلب الموسمي إلى مستويات فاقت حجم العرض المتوافر في السوق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار المتداولة لدى المستهلكين وفق آليات العرض والطلب، من دون أن يكون للريجي أي دور في رفع الأسعار، إذ إنّ الأسعار الرسمية المعتمدة لديها بقيت ثابتة ولم تشهد أي تعديل منذ نحو ثلاث سنوات، في إطار سياسة تسعير تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار وضبط السوق.
ولفتت الريجي إلى أنّ الزيادات التي طرأت على بعض المنتجات تعود إلى قيام الشركات المصنّعة برفع أسعارها بنسبة تقارب 8%، مؤكدةً أنّ أي تفاوت بين الأسعار الرسمية والأسعار المتداولة في السوق لا تتحمّل مسؤوليته.
وفي مواجهة هذا الواقع، رفعت الريجي كميات الإنتاج وهو ما أسهم لاحقًا في تحسين مستوى العرض وإعادة التوازن إلى السوق، الأمر الذي انعكس تراجعاً تلقائياً في الأسعار وانخفاضاً في الكلفة على المستهلكين، من دون أن يتكبّد التجّار والموزّعين أي خسائر فعلية، باعتبار أنّ التسعير المرتفع خلال فترة الذروة كان قرارا تجاريا مرتبطًا بزيادة الطلب، وعاد وانخفض مع تحسّن العرض، ضمن الإطار الطبيعي لحركة السوق.
40% تراجع بسعر المعسّل
وعلى الرغم من أن "الريجي" هي المؤسسة الرسمية الوحيدة في لبنان المعنية بإنتاج وتجارة التبغ والتنباك وتراخيصها، وهو ما يتطلب من الموزّعين والتجّار وأصحاب المحال الالتزام بالتسعيرة الرسمية عند المبيع، إلا أنّ توقف الريجي عن توزيع منتجاتها قبل نهاية العام الماضي أحدث خللاً في العرض، استغله التجار لرفع الأسعار وبيعها في السوق السوداء.
فبلغ سعر كفّ المعسّل وزن 250 غراماً نحو 15 دولاراً، وهذا ما أكدته شركة الزعيم للدخان لـ"المدن" بأن شحّ المنتجات خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي أجبر الموزّعين والبائعين لشراء الكميات المتبقية بأسعار مرتفعة، لكن ومع مطلع العام الحالي أعادت الريجي ضخّ كميات كبيرة وفرضت الالتزام بالسعر الأساسي، فتراجع سعر كفّ المعسّل إلى نحو 9 دولارات، أي بانخفاض ما يقارب 40 في المئة عمّا كان يدفعه المستهلك، بينما تراجع سعر الـ"كروز" 900 غرام إلى 18 دولاراً، وهو انخفاض انعكس إيجاباً على المستهلكين من خلال تخفيف الكلفة المباشرة وضبط الأسعار وإعادة شيئاً من التوازن إلى السوق.
في لبنان، حتى الأخبار السارّة باتت تُقرأ بحذر.. خبر يجعلك تبتسم سرعان ما يذكّرك أنّ هذه المفاجآت باتت جزءاً من حياتك اليومية، فمع كل موجة ارتفاع أو انخفاض يترك أثره المباشر على جيبك وروتينك وأحاديثك مع الآخرين، لتجد نفسك مضطراً لإعادة ترتيب أولوياتك. وهذا الانخفاض الأخير يوضح كيف تتأثر الأسواق بالعوامل الفورية أكثر من أي قواعد ثابتة، إذ تحلّق الأسعار أحياناً وتهبط أحياناً أخرى وفق العرض والطلب ومزاجية الإنتاج، فهل ما نشهده تصحيح ظرفي أم مجرد هدنة مؤقتة في سوق اعتاد المفاجآت أكثر مما اعتاد الانتظام؟