المصدر: نداء الوطن
الكاتب: طوني عطية
الثلاثاء 26 أيار 2026 06:56:46
في 25 أيار عام 2000، أُسدلت الستارة على مرحلة مفصلية من جنوب لبنان، لكنّ الانسحاب الإسرائيلي فتح، في المقابل، بابًا واسعًا على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية والسياسية تعقيدًا وإثارةً للجدل في تاريخنا الوطني المعاصر. ففي تلك اللحظات المصيرية، وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام خيار قاسٍ ومجهول، بعدما اضطروا إلى مغادرة أرضهم وقراهم وجذورهم والتوجّه نحو إسرائيل.
وعلى مدى أكثر من ربع قرن، هيمنت رواية واحدة على الوعيَين الشعبي والرسمي، فرضتها قوى "الممانعة"، وسعت من خلالها إلى تكريس نظرة أحادية تحدّد، وفق منطقها، من هو "العميل" ومن هو "المقاوم". والمفارقة أنّ هذه النظرة قامت على منظومة دينية- سياسية وأيديولوجية لا تمتّ إلى الهوية اللبنانية بصلة. وقد ترك هذا التشويه أثره في خطاب الدولة ومؤسساتها، وصولا إلى تشويه صورة مقاومة لبنانية حقيقية تمثّلت في "جيش لبنان الجنوبي"، الذي نشأ في مواجهة مشاريع الوطن البديل، خلال مرحلة سيطرة المنظمات الفلسطينية على الجنوب وأجزاء من لبنان.
اليوم، وبعد مرور ستة وعشرين عامًا على تلك الأحداث، نعود بالزمن إلى تلك الأيام، إلى الشريط الحدودي، إلى الجدار، إلى داخل إسرائيل، وإلى مطران ماروني كان الراعي والسند الذي واكب تلك المأساة منذ لحظاتها الأولى، فحمل معاناة الناس ووقف إلى جانبهم في أصعب الظروف. إنه بولس صياح، الذي لُقّب بـ "أسقف المبعدين" وعرّاب قضيتهم، وشكّل بالنسبة إلى كثيرين صوتًا إنسانيًا وضميرًا حاضرًا إلى جانبهم. فقد شاركهم صليب الآلام، ونقل صوتهم إلى السلطات اللبنانية كما الإسرائيلية.
يفتح المطران صياح أبواب تلك المرحلة بكل ما فيها من وجع والتباس وحقائق.
أين كنتَ يوم 24 - 25 أيار عام 2000؟
يقول: "انتُخبتُ مطرانًا عام 1996 لخدمة الأراضي المقدسة"، موضحًا أنّ "لدينا أرضَين مقدستَين: لبنان من ناحية، والأراضي المقدسة، أي فلسطين وإسرائيل والأردن، من ناحية أخرى". وفي إسرائيل، تولّى ابن عين الخروبة المتنية رئاسة أبرشية حيفا والأراضي المقدسة للموارنة، وهي أبرشية أسّسها بنفسه.
ويتابع: "في تلك المرحلة، كان معلومًا أنّ إسرائيل تتّجه إلى الخروج من جنوب لبنان، بعدما أعلن رئيس وزرائها آنذاك (إيهود باراك) هذا القرار قبل نحو عام. ومع اقتراب موعد الانسحاب، وتحديدًا قبل أسبوعين منه، شعرت بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، وبضرورة أن أكون حاضرًا إلى جانب اللبنانيين الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى عبور الحدود في ظروف صعبة وقاسية. لذلك، بدأتُ العمل على تسهيل دخولهم وتأمين استقبالهم ومساعدتهم قدر الإمكان".
ويضيف: "باشرت حينها عقد اجتماعات عدّة مع رئاسة الوزراء الإسرائيلية، ومع الوزير المسؤول عن الاستيعاب (وزارة الاستيطان). كان آخر اجتماع يوم الجمعة في 21 أيار عام 2000، على أساس أن يُعقد لقاء آخر بعد أسبوعين. لكن فجر الاثنين، أي بعد ثلاثة أيام، وعند الساعة الخامسة صباحًا، تلقيت اتصالا يقول لي: تصرّف بسرعة، الناس على الحدود والأوضاع خرجت عن السيطرة. كنت حينها في القدس (أورشليم)، وكان الوصول إلى الحدود يحتاج إلى أكثر من أربع ساعات بالسيارة، فاتصلت فورًا بكهنة المنطقة الجنوبية ليكونوا إلى جانب الأهالي ومواكبتهم. وبعد يومين، أي الأربعاء، صعدت إلى الجليل وبدأت بزيارتهم حيث كانوا يقيمون".
ويتابع: "كان المشهد صعبًا جدًا. بعض الناس أرادوا المغادرة، وآخرون لم يريدوا ذلك. كان الجميع في حالة ضياع، لأن الأمور حصلت بشكل مفاجئ. إثر ذلك، ركّزت اتصالاتي ومتابعاتي بين الداخل الإسرائيلي ولبنان، وتحدثت مع المسؤولين الإسرائيليين حول كيفية استقبال اللبنانيين، وأماكن إقامتهم، وكل التفاصيل المتعلقة بذلك".
ماذا عن لبنان؟
يجيب: "تواصلتُ مع رئاسة الجمهورية والرئيس إميل لحود، وأبلغته أنّ الناس موجودون على الحدود. فقال لي لحود: "حاول قدر الإمكان إعادتهم"، لأنه لم ينسَ أنّ النواة الأساسية، والغالبية من عناصر جيش لبنان الجنوبي، هم في الأصل من الجيش اللبناني، وقد دافعوا عن أرضهم ووجودهم.
ويستكمل: "عند عودتي إلى بيروت وتوجّهي إلى قصر بعبدا، حملتُ معي مذكرة تاريخية وموثّقة صادرة عن وزارة الدفاع، تدعو عناصر الجيش اللبناني من أبناء المنطقة، في بلدات مثل دبل وعين إبل ورميش والقليعة ومرجعيون وغيرها، إلى تشكيل تجمعات عسكرية للدفاع عن الأهالي والقرى في مواجهة المنظمات الفلسطينية والفصائل المتحالفة معها.
خلال السنوات الأولى من إقامتي هناك، تمكّنا من إعادة ما لا يقلّ عن ألفي شخص، من أصل سبعة آلاف مواطن جنوبي دخلوا إلى إسرائيل. وكانت أوضاع العائدين في المرحلة الأولى، وكذلك الذين لم يغادروا، أفضل نسبيًا، إذ تعاملت معهم المحكمة العسكرية بقدر من العدالة، انطلاقًا من اعتبار أنّ الدولة نفسها والجيش اللبناني كانا قد أرسلاهم إلى تلك المنطقة. أمّا من عادوا في مراحل لاحقة، فقد واجهوا أحكامًا أشد قسوة، وهو أمر يرتبط، بحسب ما يُقال، بتزايد نفوذ "حزب الله" داخل المحكمة العسكرية".
الكنيسة الحاضنة الجامعة
ويشير المطران صياح إلى أنّ غالبية عناصر "جيش لبنان الجنوبي"، كما بات معروفًا، كانوا من الطائفة الشيعية. ومع ذلك، يؤكد أن الكنيسة تعاملت مع جميع المبعدين من دون أي تمييز أو تفريق بين المسيحيين والمسلمين، أو بين خلفياتهم السياسية والاجتماعية. ويضيف أنّ هذا النهج ليس استثناء في مسيرة الكنيسة، بل هو جزء من رسالتها الأساسية القائمة على احتضان الإنسان بحدّ ذاته، أيًّا كانت هويته الدينية أو انتماؤه السياسي.
أين توزّعوا؟
في البداية، وُضعوا في معسكرات موقتة قبل تأمين مساكن دائمة لهم. وانتشروا في مناطق الجليل، وكانت الغالبية من أبناء بلدات دبل وعين إبل ورميش والقليعة. ثم جرى العمل على إنشاء مدارس خاصة بهم بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية، التي تولّت جانبًا من رعايتهم، نظرًا إلى معرفتها المسبقة بهم. كما أُقيمت لهم تجمعات كنسية: رعية في عكا، وأخرى في الوسط، وثالثة في كريات شمونة، امتدّت بين الساحل والوسط والجليل الأعلى. أمّا الدروز على سبيل المثال، فقد استقرّوا في مناطق ذات غالبية درزية في الجليل.
وخلال خدمتي في إسرائيل، كنتُ أتنقّل بين هذه المناطق حاملا الرسائل والمساعدات من الأهالي إلى ذويهم في لبنان، إذ كان كثيرون يرسلون رسائل شفوية إلى أقاربهم، فنقوم بنقلها ومتابعة أوضاعهم بشكل مباشر.
ويتحدث المطران صياح عن مدى تعلّق المبعدين بلبنانيتهم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم، مؤكدًا أنهم نشأوا على حبّ لبنان وتشرّبوا هويته منذ طفولتهم.
وفي استكمال لهذا المشهد، تجدر الإشارة إلى أنّ داخل البيوت المارونية في إسرائيل، سواء لأبناء لبنانيين أو غير لبنانيين (إسرائيليين فقط)، تُعلَّق صورة للبطريرك الماروني تعبيرًا عن الهوية الكنسية، إلى جانب الأرزة اللبنانية التي تُجسّد الحضور الرمزي والروحي للبنان، نظرًا إلى مكانته في الوجدان الإيماني كما يرد في الكتاب المقدس.
ولم تقتصر محبة لبنان على المبعدين أو غيرهم. إذ لفت المطران صياح إلى أنّه، خلال خدمته الراعوية في الأراضي المقدسة، التقى العديد من اليهود اللبنانيين، وقد فوجئ بمدى تعلّقهم بلبنان، الذي لم ينسوه، ولا يزال لديهم شغف كبير به وارتباط عاطفي عميق به.
في هذا السياق، يروي المطران صياح قصة لافتة تختصر، بدلالاتها العميقة، هشاشة أحكام التخوين الجاهزة الصادرة عن منطق "الممانعة"، إذ يتحدث عن إحدى الراهبات اللبنانيات اللواتي كنّ يتنقّلن، بحكم خدمتهن، بين لبنان والأردن وإسرائيل: "في إحدى المرات، وعند وصولها إلى نقطة الأمن العام الإسرائيلي، سلّمت الراهبة جواز سفرها إلى الموظف المسؤول، لتُفاجأ بردّة فعل غير متوقعة، إذ أخذ الجواز ومسحه على خدّه والدموع في عينيه، كاشفًا لها أنه يهودي لبناني، وأن لبنان لا يزال حاضرًا بقوة في ذاكرته وقلبه، ومحفورًا في وجدانه".
هذه القصة ليست تفصيلا عابرًا بل مدخل إنساني وسياسي إلى جوهر القضية كلّها. فهي تكشف أنّ العلاقة بلبنان لم تُمح بالحدود، ولا بالتصنيفات القاسية التي فُرضت لاحقًا على جماعات وأفراد. وإذا كان يهودي من أصل لبناني في إسرائيل ما زال يمسح جوازًا لبنانيًا على خدّه والدموع في عينيه، فكيف يمكن اختزال آلاف الجنوبيين الذين وُلدوا في أرضهم ودافعوا عن قراهم بصورة واحدة هي "العمالة"؟
ختامًا، وانطلاقًا من هذه الشهادة التي تهزّ منطق التخوين، ما رأي المطران بولس صياح من قانون العفو العام المطروح راهنًا؟ يجيب قائلا: "أرى أن العفو يُمنح عادة لمرتكبي الجرائم، وهو ما لا ينطبق على حالة "جيش لبنان الجنوبي". صحيح أنه سُجّلت تجاوزات فردية، كما هي الحال في أي مؤسسة عسكرية تخضع لتراتبية الأمر والمأمور، إلا أن هذا الجيش، ككيان وجسم عسكري، لا يمكن وسمه بـ "العمالة". فأفراده مواطنون لهم حقوقهم، والغالبية الساحقة منهم لم تقترف أساسًا أي جرم يستدعي عفوًا. وبناءً على ذلك، يغدو من الإجحاف والخطأ الخلط بين ملف المبعدين وعناصر الجنوبي، وبين ملفات تجار المخدرات أو المحكومين بجرائم جنائية.