المصدر: نداء الوطن
الكاتب: طارق أبو زينب
الثلاثاء 11 آب 2026 06:44:13
لم يعد ملف "حزب الله" في ألمانيا مجرد قضية أمنية مرتبطة بالمراقبة والرصد، بل تحول إلى مسار قانوني وأمني يستهدف، وفق تقييم السلطات الألمانية، شبكات التمويل والواجهات التنظيمية التي تعتبرها برلين مرتبطة بنشاط "الحزب" داخل أوروبا. فمنذ قرار الحظر الشامل عام 2020، انتقلت المقاربة الألمانية من متابعة النشاط العلني إلى ملاحقة البنى التي ترى السلطات أنها توفر دعمًا ماليًا وتنظيميًا لـ"الحزب"، بعدما أصبح النشاط التنظيمي والدعائي واستخدام رموزه ضمن الأطر المحظورة موضع ملاحقة وفق القانون الألماني.
ويعكس هذا التحول انتقال المواجهة من مراقبة الأفراد والأنشطة الظاهرة إلى استهداف البيئة المحيطة بالتنظيم، بما فيها الجمعيات والمراكز والشبكات التي تعتبرها الأجهزة الأمنية مساحة للحفاظ على النفوذ وجمع الدعم خارج لبنان، مع الالتزام بالفصل بين التقييمات الأمنية وما يمكن إثباته أمام القضاء.
وبحسب تقارير هيئة حماية الدستور الألمانية التي اطلعت عليها "نداء الوطن"، اعتمدت الجهات المؤيدة لـ"الحزب"، منذ قرار الحظر، سياسة تقوم على تقليل الظهور العلني، فتراجعت الأنشطة المفتوحة لصالح أشكال أكثر تحفظًا من العمل الداخلي. وتشير الهيئة إلى أن الرقابة الأمنية دفعت أنصار "حزب الله" إلى تقليص نشاطهم العلني، لكنها لم تؤدِ إلى توقف أنشطة الدعم المرتبطة به.
وتتركز المخاوف الأمنية الألمانية حول استمرار أنشطة مرتبطة بجمع الأموال وإدارة شبكات دعم وإقامة علاقات مالية وتجارية تعتبرها السلطات مخالفة للقوانين أو تهدف إلى مساندة "حزب الله" في لبنان. ووفق تقييمات هيئة حماية الدستور، لا يمتلك "الحزب" في ألمانيا هيكلا تنظيميًّا معلنًا على المستوى الوطني، لكنه يعتمد على شبكة موزعة من الجمعيات والمراكز الثقافية والدينية في عدد من الولايات.
وتعمل هذه الجهات علنًا في مجالات دينية وثقافية واجتماعية، عبر اللقاءات الداخلية والبرامج التعليمية والفعاليات المرتبطة بالمناسبات الدينية. إلا أن التقارير الأمنية ترى أن بعضها يشكل مساحة للحفاظ على الروابط الفكرية والتنظيمية مع "الحزب". كما يشير تقرير هيئة حماية الدستور في ولاية هامبورغ إلى وجود نحو 30 جمعية ثقافية ومسجدًا يرتادها أشخاص يتبنون أيديولوجية "حزب الله" ومشروع ولاية الفقيه المرتبط بإيران.
ومنذ قرار الحظر، تواصل السلطات الألمانية مراقبة نشاط عدد من المؤيدين لـ"الحزب"، بينهم لبنانيون يحملون الجنسية الألمانية، يشاركون في فعاليات علنية تشمل اللقاءات الحوارية والمناسبات الدينية، فيما تخضع طبيعة هذه الأنشطة للتقييم الأمني والقانوني المستمر.
التمويل في قلب المواجهة
ويشكل ملف التمويل محورًا أساسيًا في الإجراءات الألمانية. ففي 19 أيار 2021، أعلنت وزارة الداخلية الألمانية حظر ثلاث جمعيات هي "جمعية العائلة اللبنانية الألمانية"، و"جمعية الناس من أجل الناس"، و"جمعية امنح السلام"، باعتبارها امتدادًا لجمعية "مشروع أيتام لبنان" التي كانت قد حُظرت سابقًا. ورأت السلطات أن هذه الجمعيات استخدمت لمواصلة نشاط مالي وتنظيمي بعد إغلاق الجمعية الأصلية، بعدما اعتبرت أن الأموال التي جُمعت تحت غطاء المساعدات الإنسانية وصلت إلى "حزب الله".
وشكل حظر المركز الإسلامي في هامبورغ في 24 تموز 2024 محطة بارزة، بعدما أعلنت وزارة الداخلية الألمانية إغلاق المركز الذي كان يدير مسجد الإمام علي المعروف بـ"المسجد الأزرق"، معتبرة أنه يمثل أحد أبرز مراكز النفوذ الإيراني في ألمانيا. ووفق البيان الرسمي، لم يقتصر نشاط المركز على الجانب الديني، بل عمل على نشر أيديولوجية الثورة الإسلامية والحفاظ على ارتباط مؤسسي مع القيادة الإيرانية، إضافة إلى دعم "حزب الله". وبالتزامن مع القرار، نفذت السلطات مداهمات شملت 53 موقعًا في ثماني ولايات ألمانية.
ويعكس القرار انتقال برلين من التعامل مع النشاط المرتبط بـ"الحزب" باعتباره ملفًا أمنيًّا تقليديًّا إلى اعتباره شبكة نفوذ عابرة للحدود تتداخل فيها الاعتبارات المالية والتنظيمية والفكرية، ما دفع السلطات إلى استخدام أدوات قانونية أكثر تشددًا.
من المراقبة إلى القضاء
وانتقلت الإجراءات الألمانية لاحقًا إلى المسار القضائي، حيث فتحت ملفات بحق أفراد اتهمتهم السلطات بالانتماء إلى "حزب الله" أو دعم أنشطته. ومن أبرز هذه الملفات توقيف مواطن لبناني في ولاية سكسونيا السفلى، مع بقاء القضية ضمن إطار الإجراءات القضائية وعدم اعتبارها إدانة نهائية قبل صدور حكم مكتسب الدرجة القانونية.
ويكشف المسار الألماني أن المواجهة مع شبكات "حزب الله" في أوروبا لم تعد محصورة بالنشاط المباشر، بل أصبحت معركة حول التمويل والواجهات التنظيمية ومساحات النفوذ غير المباشر. فالتحدي لم يعد فقط في رصد ما يظهر إلى العلن، بل في قدرة الدول الأوروبية على تفكيك البنى التي تمنح هذه الشبكات القدرة على الاستمرار بين المال والتنظيم والتأثير، وتحويل التقييمات الأمنية إلى إجراءات قانونية قادرة على الصمود أمام القضاء.