إرث نصرالله يتحول إلى أزمة ملكية.. حزب الله يطارد أصولاً أخفاها بأسماء مقربين

كشفت مصادر لبنانية قانونية وأهلية لـ"إرم نيوز" أن القيادة الجديدة لحزب الله بدأت عملية جرد واسعة لأصول عقارية وتجارية أخفاها التنظيم على مدى سنوات خلف أسماء قيادات ورجال أعمال ومقربين، لتكتشف أن جزءاً من تلك الممتلكات تحول بعد الحرب ومقتل أو وفاة عدد من حامليها إلى موضع نزاع على الملكية، وصل في بعض الحالات إلى اضطرار الحزب لدفع المال من أجل استعادة أصول يقول إنه اشتراها أساساً.

وتشمل عملية الجرد أراضي ومستودعات وشققاً ومباني وأصولاً تجارية سُجلت قانونياً بأسماء أفراد وواجهات اقتصادية، ضمن نظام كان يتيح للحزب إبعاد ملكيته المباشرة عن السجلات، وتقليل انكشاف شبكته الاقتصادية أمام العقوبات والرقابة المالية.

لكن الآلية نفسها تحوّلت، بحسب المصادر، إلى إحدى المشكلات التي ورثتها القيادة الجديدة عن مرحلة حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، بعدما غاب أشخاص كانوا يشكلون حلقة الوصل بين الملكية المسجلة على الورق والملكية الفعلية داخل التنظيم.

وتواجه اللجنة المكلفة بالجرد حالات رفض لإعادة ممتلكات، ونزاعات مع ورثة انتقلت إليهم سندات الملكية، إلى جانب أشخاص يؤكدون أن العقارات المسجلة بأسمائهم لم تكن مجرد "أمانات"، وإنما هبات وهدايا حصلوا عليها شخصياً من قيادات الحزب السابقة. 

من يملك العقار؟

يقول مصدر قانوني مطلع على الملف، إن بعض الحائزين يتمسكون بأن مرور سنوات طويلة على تسجيل الأصول بأسمائهم يمنحهم حقاً كاملاً فيها، فيما ظهرت المشكلة الأكثر تعقيداً عندما توفي أو قُتل الشخص الذي كان يحتفظ بالعقار لمصلحة الحزب وانتقلت الملكية قانونياً إلى أبنائه أو ورثته.

في هذه الحالات، وجدت القيادة الجديدة نفسها أمام سند رسمي يحمله الورثة، مقابل تفاهم سابق غير معلن مع شخص لم يعد موجوداً.
وتتولى القيادة المركزية الجديدة، بالتعاون مع جهات إدارية وقانونية ومالية مرتبطة بالأمانة العامة والمجلس التنفيذي، محاولة حصر هذه الممتلكات وإعادة تثبيت السيطرة المركزية عليها، في وقت يحتاج فيه الحزب إلى السيولة والعقارات لإعادة تنظيم بنيته بعد الحرب.

ويضيف المصدر: إن طبيعة النظام الذي استخدم لتسجيل بعض الأصول تجعل اللجوء إلى القضاء الرسمي خياراً بالغ التعقيد، إذ إن مطالبة الحزب بعقار مسجل قانونياً باسم شخص آخر يمكن أن تفتح بدورها ملف المستفيد الحقيقي ومصدر الأموال والسبب وراء إخفاء الملكية.

مستودع بـ1.5 مليون دولار

وتكشف حالة ذكرها مصدر أهلي مقرب من الحزب، كيف تحوّلت المشكلة النظرية إلى كلفة مالية مباشرة، حين طالب الحزب باستعادة مستودع لوجيستي مقام على أرض تبلغ مساحتها نحو 3500 متر مربع في المنطقة الممتدة بين الشوف والساحل الجنوبي، بعدما توفي رجل الأعمال الذي كان العقار مسجلاً باسمه وانتقلت سنداته إلى أبنائه.

وبحسب المصدر، رفض الورثة التنازل عنه، مؤكدين أن والدهم كان المالك القانوني وأن عليهم التزامات وديوناً تجارية يريدون تغطيتها من تركته.

وتتراوح القيمة السوقية للأرض والمنشآت بين 1.2 و1.5 مليون دولار. وأمام تمسك الورثة وصعوبة استعادة الموقع عبر المسار القانوني، انتهى النزاع بتسوية دفعت بموجبها جهة مرتبطة بالحزب ما يعادل 25 إلى 30% من قيمة العقار، أي نحو 300 إلى 450 ألف دولار، مقابل التنازل الرسمي عنه ونقله إلى واجهة جديدة. وهكذا وجد الحزب نفسه، عملياً، يدفع للمرة الثانية مقابل أصل تعتبر قيادته أنه اشتُري بأمواله في المرة الأولى. 

نموذج قديم ينقلب على أصحابه

وتقدم وثائق العقوبات الأمريكية شواهد مستقلة على أن استخدام الأشخاص والشركات للاحتفاظ بأصول مرتبطة بالحزب ليس ممارسة مستحدثة.
فوزارة الخزانة الأمريكية قالت عام 2015 إن رجل الأعمال أدهم طباجة كان يحتفظ بعقارات في لبنان نيابة عن حزب الله، وإن مجموعته العقارية والإنشائية وفرت آلية استثمار للتنظيم. كما قالت في ملف منفصل إن شركة "تاجكو"، المرتبطة بشبكة تاج الدين، استُخدمت لشراء وتطوير عقارات في لبنان نيابة عن الحزب.

وفي مارس/آذار 2026، كشفت الخزانة عن شبكة شركات مرتبطة بعلاء حسن حمية قالت إنها تعمل عبر أفراد من عائلته ومقربين منه، وقدرت حجم المشاريع والتحويلات المرتبطة بمخططات الحزب عبر الشبكة بأكثر من 100 مليون دولار منذ 2020.

وفي يونيو/حزيران، قالت الخزانة إن حمية أسس شركة "Tyke SAL" عام 2017 لممارسة أنشطة بينها الأعمال العقارية، قبل انتقال أسهمه عام 2023 إلى شقيقه محمد حسن حمية.

وتوثق هذه الحالات وجود نموذج اقتصادي يفصل بين اسم الفرد أو الشركة الظاهر على الورق وبين الجهة التي تقول السلطات الأمريكية إنها المستفيد الفعلي من النشاط.

استرداد خارج المحاكم

يكشف المصدر القانوني أن حزب الله يحاول حل النزاعات بعيداً عن القضاء، عبر التحكيم الداخلي والديني والتسويات المباشرة، إضافة إلى أدوات ضغط تنظيمية ومالية على الأشخاص المرتبطين بشبكته.

وقد تشمل الإجراءات وقف مخصصات أو عقود ومشاريع توفرها الشبكة الاقتصادية للحزب، فيما تصبح التسوية المالية الخيار الأكثر واقعية عندما تكون الملكية قد انتقلت إلى ورثة لا تربطهم بالقيادة الجديدة التفاهمات القديمة نفسها.

وتكتسب القضية أهمية إضافية مع إعادة الحزب ترتيب نشاطه الاقتصادي باتجاه قطاعات توفر سيولة نقدية سريعة، بينها المقاولات والبناء وتجارة المواد الغذائية والسيارات، بالتوازي مع حاجته إلى تمويل إعادة الإعمار وإيواء المتضررين.

ذاكرة مالية مفقودة
وترى الباحثة اللبنانية حنين غدار، في دراسات منشورة لمعهد واشنطن، أن البنية المالية والاقتصادية لحزب الله ليست منفصلة عن قوته العسكرية والسياسية، بل تشكل جزءاً من منظومة تتيح له تمويل مؤسساته والمحافظة على بيئته وإعادة بناء قدراته بعد الأزمات.

وتشير قراءتها إلى أن شبكات الأعمال والاقتصاد النقدي والمؤسسات الموازية تمثل أدوات أساسية في قدرة الحزب على الاستمرار، وهو ما يجعل السيطرة على الأصول والشركات مسألة تتجاوز قيمتها المالية المباشرة.

من جهته؛ يقول الخبير الإستراتيجي محمد يوسف النور إن النزاع على بعض أصول حزب الله يكشف جانباً غير عسكري من كلفة فقدان جزء كبير من قيادته التاريخية؛ لأن التنظيمات المغلقة لا تعتمد دائماً على الهياكل المكتوبة، وإنما على شبكة ثقة شخصية تحفظ العلاقة بين القيادة والأفراد والواجهات التي تتحرّك باسمها.

ويشير النور في تعليق لـ "إرم نيوز" إلى أن تسجيل العقارات والأصول بأسماء مقربين وفّر للحزب في السابق مرونة في إدارة موارده وتقليل انكشافها، لكنه اليوم يخلق مشكلة مختلفة عندما يغيب الأشخاص الذين يعرفون طبيعة الاتفاقات الأصلية وحدود ملكية كل طرف.

ويضيف أن اضطرار القيادة الجديدة إلى إعادة جرد هذه الشبكة واستعادة السيطرة عليها يعني أنها لا تعيد بناء قدراتها الميدانية فقط، بل تعيد أيضاً ترتيب منظومة إدارية ومالية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة والولاء واستمرارية القيادة. 

وفي ضوء النزاعات الجديدة، تصبح المشكلة أكثر عمقاً؛ فخسارة عقار قد تعني خسارة مستودع أو مصدر دخل أو أصل تحتاج إليه عملية إعادة التنظيم، بينما يؤدي فقدان الأشخاص الذين كانوا يديرون العلاقة بين الحزب والواجهات إلى فقدان جزء من الذاكرة التي تحدد المالك الفعلي لكل أصل.

واليوم، لا تحاول القيادة الجديدة للحزب جرد العقارات فحسب، بل إعادة رسم خريطة مالية وعقارية ظلت لسنوات موزعة بين أسماء أشخاص وشركات وعائلات. وبذلك، يتحوّل النظام الذي صُمم لإخفاء جزء من ممتلكات حزب الله عن خصومه والعقوبات إلى مأزق داخلي، فالأصول التي لم تحمل اسم الحزب على الورق، بات عليه الآن أن يثبت داخل شبكته نفسها أنها كانت له.