المصدر: نداء الوطن
الكاتب: ألان سركيس
الاثنين 4 أيار 2026 06:51:46
لم يعد التصويب على بكركي تفصيلا عابرًا في خطاب "حزب اللّه"، بل تحوّل إلى نهج ثابت كلّما ارتفع صوت البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي دفاعًا عن الدولة والسيادة. فالمشكلة بالنسبة إلى "الحزب" ليست في موقف عابر، بل في مرجعية ترفض إدخال لبنان في محور إقليميّ تقوده إيران أو غيرها، وتصرّ على إبقاء القرار اللبناني في إطاره الوطني.
البداية الفعلية للمواجهة بين بكركي بقيادة الراعي و "حزب اللّه" تعود إلى عام 2014، مع زيارة الراعي إلى الأراضي المقدّسة. يومها، شنّ "الحزب" وحلفاؤه حملة منظمة تحت عنوان رفض التطبيع، في محاولة واضحة لمحاصرة بكركي وإحراجها شعبيًّا. لكن تلك الحملة لم تكن سوى تمهيد لمرحلة أكثر حدّة، هدفها كبح اندفاعة الصرح البطريركي لتحقيق استقلال لبنان.
في عام 2020، انفجرت المواجهة بشكل مباشر بعد طرح الراعي مشروع حياد لبنان. شعر "حزب اللّه" أن هناك خطرًا جديًّا على مشروعه، فانتقل من الانتقاد إلى الهجوم المنظّم من تخوين، تشكيك، واتهامات بالسعي إلى تدويل الأزمة. لم يكن الطرح بالنسبة إلى "الحزب" مجرّد رأي، بل كان تهديدًا لبنية النفوذ التي بناها على مدى سنوات.
ومنذ أشهر، دخلت الحملة مرحلة جديدة. كلّ موقف يصدر عن بكركي يُقابل بردّ قاسٍ، سواء عبر المنابر السياسية أو الإعلامية أو الدينية. الرسالة واضحة وهي لا يُسمح لأيّ مرجعيّة داخلية بأن تفرض سقفًا وطنيًا يتعارض مع حسابات "الحزب" الإقليميّة. لكن في المقابل، تؤكّد أوساط البطريركية أن بكركي ماضية في خيارها، غير آبهة بمحاولات الترهيب السياسيّ والتخوين.
خرقت حملة "الحزب" على الراعي في الساعات الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كلّ السقوف الأخلاقية، فلو خرج الراعي بموقف قاسٍ ضد "الحزب" قد يفهم الهجوم، لكن ما حصل يدلّ على نية مبيّتة من "الممانعة" تجاه بكركي، حيث فقد هؤلاء صوابهم بعد الهزائم التي تلاحقهم من إيران إلى لبنان ولم يبق أمامهم سوى الشتم عبر وسائل التواصل.
وفي موازاة هذا التصعيد، تؤكّد المعطيات وجود تنسيق واضح ومفتوح بين بكركي وبعبدا، يتجاوز حدود المجاملة السياسية إلى مستوى الشراكة في الرؤية. فالبطريركية المارونية توفّر دعمًا كاملا لرئيس الجمهورية جوزاف عون، وتمنحه غطاءً وطنيًّا في مواجهة الضغوط المتزايدة. هذا التناغم يترجم أيضًا في التفاف مسيحي لافت حول بعبدا، حيث تتقاطع المواقف عند أولوية استعادة الدولة قرارها، ورفض إخضاع لبنان لمنطق المحاور ودعمه في مسيرة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
بالتوازي، تتكرّر الصورة نفسها في بعبدا. فمع انتخاب جوزاف عون رئيسًا، دخل لبنان مرحلة جديدة من التوازن الدقيق بين منطق الدولة ومنطق السلاح. ومع اندلاع حرب إسناد إيران، تصاعد الضغط على الرئاسة لوضعها في خانة واحدة مع خيارات "الحزب".
غير أن إعلان رئيس الجمهورية الاستعداد للتفاوض المباشر مع إسرائيل شكّل نقطة تحوّل. هذا الموقف، الذي يندرج في مقاربة الدولة لحماية حدودها ومصالحها، لم يلقَ ترحيبًا لدى "حزب اللّه" الذي يرفض أيّ مسار تفاوضي خارج حساباته الإقليمية وإبقاء لبنان ورقة في جيب إيران. ومن هنا، بدأت وتيرة التصويب ترتفع تدريجيًا على بعبدا، تمامًا كما حصل مع بكركي، ووصلت عبر لسان مسؤولي "الحزب" إلى تهديد عون بالقتل ومواجهته مصير الرئيس المصري أنور السادات.
لكن مهما اشتدّت الحملات، تبدو المعادلة مختلفة عمّا يريده "حزب اللّه". فبكركي، التي واجهت عبر تاريخها كلّ محاولات التطويع، لن تبدّل موقعها تحت الضغط، والبطريرك الراعي مستمرّ في رفع سقف مواقفه دفاعًا عن لبنان الدولة. وكذلك الأمر في بعبدا، حيث يظهر الرئيس جوزاف عون تمسّكًا واضحًا بصلاحياته وخياراته السيادية. أمّا حملات التخوين، التي اعتاد "الحزب" استخدامها عند كل مفترق، فلم تعد قادرة على تبديل الوقائع أو فرض معادلات جديدة.
ما يجري اليوم ليس مجرّد سجال سياسي، بل هو صراع مفتوح على هوية لبنان، بين دولة تريد تثبيت سيادتها عبر المؤسسات، ومشروع يسعى إلى إبقاء البلد ورقة في لعبة المحاور. وبين بكركي وبعبدا من جهة، و "حزب اللّه" من جهة أخرى، يبدو أن المواجهة دخلت مرحلة كسر عظم.