إسرائيل تثبت مواقعها في المنطقة الصفراء... وتعزلها تدريجياً

وحدها دوريات قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" وقوافل الإمدادات التموينية إلى بلدات رميش وعين إبل ودبل، برعاية بابوية، تعبر حاجزاً مستحدثاً للجيش الإسرائيلي، أُنشئ مؤخراً عند محلة "إسكندرونا" على المدخل الشمالي لبلدة الناقورة، التي يوجد على أرضها المقر العام لليونيفيل.

دون ذلك، لا يوجد على امتداد المنطقة المحتلة، من الناقورة وشمع، وحتى الخيام، أي نوع من أنواع الحياة.

إنما فقط آلاف من الجنود الإسرائيليين المدججين وآلياتهم، تطحن ما تبقى من بيوت ومنازل ومؤسسات، يتم تحويلها إلى "رجم" من الأسمنت، كانت، حتى شهور قليلة، عامرة بأهلها وناسها.

هذا الواقع الميداني، الديمغرافي والعمراني، لم يحدث يوماً إلى ذلك الحد في تاريخ جبل عامل. فمئات آلاف المواطنين اقتُلعوا من أرضهم، ودُمِّرت بيوتهم، وجنى أعمارهم وأحلامهم.

لا توجد مقارنة بين واقع المنطقة الحدودية قبل العام 2000 وواقعها حالياً على كافة المستويات. الجامع الوحيد يتمثل بالخريطة العسكرية، التي بدورها تفلتت إلى منطقة شمال الليطاني، لتتمدد إلى يحمر الشقيف وأرنون والزوطرين وتلال علي الطاهر، مع توسعة التوغل إلى بلدتي مجدل زون، في قضاء صور، التي تبعد أكثر من سبعة كيلومترات عن الحدود، وبلدة حداثا، في قضاء بنت جبيل.

الاجتياح - التوغل الإسرائيلي، استبعد مناطق ذات طابع جغرافي وديمغرافي في مناطق حاصبيا ومرجعيون وجزين، وأيضاً بلدات في البقاع الغربي، كانت جزءاً مما يُعرف بالشريط الحدودي قبل التحرير في العام ألفين، حيث بقي غالبية أهلها في داخلها، الذين يغادرونها أو يتوافدون إليها عبر البقاع الغربي أو جزين، بعد استحالة طريق جسر نهر الخردلي، الذي يقع تحت السيطرة الإسرائيلية.

تُقدَّر المساحة الجغرافية المحتلة، وهي في غالبيتها تتشكل من التلال والهضاب والمرتفعات الحاكمة، بأكثر من 450 كيلومتراً مربعاً، ويقع ضمن هذه الجغرافيا الواسعة بلدات منطقة صور، وهي: الناقورة، شمع، علما الشعب، مجدل زون، طيرحرفا، الجبين، شيحين، يارين، مروحين، الضهيرة، البستان، والزلوطية.

كما تشمل بلدات في قضاء بنت جبيل، وهي: مدينة بنت جبيل، راميا، حداثا، بيت ياحون، كونين، عيتا الشعب، القوزح، بيت ليف، صربين، حانين، عين إبل، رميش، دبل، عيترون، عيناثا، مارون الراس، يارون، رشاف، والطيري.

وفي منطقة مرجعيون، ترزح بلدات دير ميماس، الطيبة، عديسة، كفركلا، الخيام، بليدا، بني حيان، مركبا، رب ثلاثين، حولا، طلوسة، محيبيب، القنطرة، دير سريان، عين عرب، العباسية - المجيدية، الوزاني، وتلة شويا - كريستوفري، فيما تعتبر بلدات العرقوب، ومنها كفرشوبا، شبعا، الهبارية، وكفرحمام، مناطق رمادية، يدخل إليها "الاحتلال" بين الحين والآخر، فيعمد إلى تفجير منازل واختطاف مواطنين.

أما في قضاء النبطية، فيشمل الاحتلال بلدات زوطر الشرقية، زوطر الغربية، يحمر الشقيف، وأرنون، فيما يحتل بالنيران النبطية الفوقا وكفر تبنيت.

يشكل وادي الحجير، الذي تحول بعد التحرير في العام 2000 إلى جنة سياحية، نبتت على جانبيه أضخم المؤسسات السياحية والترفيهية، تكاتفت مع الطواحين التاريخية ورمزية مؤتمر وادي الحجير 1921، الرئة بين المناطق المحتلة والمحررة.

يمتد طريق الوادي، الذي تكسو جنباته أشجار السنديان المعمرة، من محلة جسر القعقعية - فرون وحتى بلدة عيترون، بطول عشرات الكيلومترات، وكان قد جرى شقه وتعبيده بعد التحرير بسنوات قليلة.

على كتفي الوادي تقع بلدات فرون، الغندورية، برج قلاويه، قلاويه، قبريخا، تولين، مجدل سلم، وشقرا، وهي بلدات خارج نطاق الاحتلال. وتقع على الكتف الثاني بلدات محتلة، وهي: حولا، ميس الجبل، طلوسة، القنطرة، دير سريان، وعلمان - الشومرية.

ومن ناحية القطاع الغربي، يفصل وادي حسن بين بلدتي شمع ومجدل زون المحتلتين، كما يفصل وادي زبقين، الذي يصنف محمية طبيعية، كلاً من زبقين والحنية، عن بلدات طيرحرفا، شيحين، والجبين المحتلة.

مصادر مواكبة

وبحسب مصادر مواكبة للتطورات الميدانية لـ"المدن"، فإن خريطة انتشار تواجد الجيش الإسرائيلي في أكثر من خمسة وخمسين بلدة وقرية ومزرعة، لا تحتاج إلى معابر شبيهة بالمعابر التي كانت سابقاً بأمرة ما يسمى جيش لبنان الجنوبي - جيش لحد، في كل من جسر الحمرا، المؤدي إلى الناقورة، وبيت ياحون، وكفر تبنيت، وزمرية، وباتر - جزين، كون المنطقة خالية من السكان، باستثناء عدد قليل من البلدات، لذلك عمد إلى إقامة نقطة مراقبة في منطقة إسكندرونا - الناقورة، التي تشكل ممراً رئيسياً لقوات اليونيفيل، وعدد كبير من الموظفين لديها، الذين ينتقلون إلى عملهم بمواكبة مباشرة من اليونيفيل، والكثير منهم يمضي أسبوعين في مكان عمله.

اللواء شحيتلي: انتشار هجومي للجيش الإسرائيلي

وفي هذا السياق، أكد ممثل الحكومة السابق لدى اليونيفيل، اللواء عبد الرحمن شحيتلي، لـ"المدن"، أن إسرائيل تنفذ في المناطق المحتلة انتشاراً عملياتياً هجومياً، تنتقل من نقاط حاكمة إلى نقاط حاكمة، وتقوم بإنشاء تحصينات في هذه النقاط، حتى تتفادى العمليات العسكرية عليها، كما كان يحصل قبل العام ألفين.

وقال إن إسرائيل، في الوقت نفسه، تسيطر بالنار على مسافة طويلة بعد نقاط الارتكاز التي أنشأتها، كي لا يستطيع المقاومون الوصول إليها، سواء بالتسلل أو بالهجوم، مستفيدة من تجربة ما قبل التحرير، لذلك تعمل على إقامة مناطق محروقة خالية من الإنشاءات، على بعد مسافات تتعدى 300 - 600 متر، وهذا ما يفسر عمليات الهدم والتجريف للمنازل المقابلة للنقاط الحاكمة.

وعما إذا كانت هذه التحصينات مؤشراً على استمرار الاحتلال لفترة طويلة، يوضح اللواء شحيتلي أن بقاء الاحتلال مدة طويلة أو قصيرة هو موضوع سياسي، وليس موضوعاً عسكرياً، حيث يوجد في المنطقة صراع نفوذ أميركي - أوروبي، ودول إقليمية قوية، مثل إسرائيل، ودول عربية أخرى، وإيران.

وإلى حين ينتهي هذا الصراع وتقاسم النفوذ، إذا سمح الأميركيون لأحد بمقاسمتهم، ولكن ما يبدو إلى الآن أنهم لم يسمحوا بذلك.

اليونيفيل: قيود على قواتنا

لم تتغير المهام الرئيسية لقوات اليونيفيل المنتشرة جنوب الليطاني، على الرغم من الحرب على مدى شهور بين إسرائيل وحزب الله.

خسرت اليونيفيل عدداً من جنودها، كما أصيب آخرون، وتضررت بعض المراكز، لكن هذه القوات، التي يفترض أن ينتهي انتدابها بعد ستة أشهر، تواصل مهامها الأمنية والخدمية في أحلك الظروف.

وعلى حد تعبير الناطق الرسمي باسمها، داني غفري، فإن جنود اليونيفيل يواجهون أحياناً قيوداً تحد من حرية حركتهم، بما في ذلك إغلاق الطرق بسبب الحواجز والأنقاض وعوائق أخرى.
وحول إذا ما كانت تتعرض هذه القوات لقيود في تحركاتها داخل المناطق المحتلة، يوضح غفري لـ"المدن" أن هذه القيود تؤدي إلى تعليق الدوريات الأساسية أو القوافل بشكل مؤقت وتأخيرها.

وأضاف: رغم هذه التحديات، فإن جنود حفظة السلام لا يزالون في كافة مواقعهم، وأنهم يواصلون مراقبة الوضع ورفع تقارير عن الانتهاكات التي يرصدونها، بما يتماشى مع ولايتنا بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. كما تواصل اليونيفيل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

تفجيرات بيوت وعمليات نظيفة

وفي غضون ذلك، يمضي جيش الاحتلال الإسرائيلي في تفجير المنازل في البلدات والقرى المحتلة. وقد باتت هذه الأعمال طقساً يومياً ليلياً، خصوصاً في بلدات النسق الثاني المواجهة للمناطق المحررة، زاعماً أنها بنية تحتية لحزب الله.

يحصل كل ذلك في ذروة المفاوضات الأميركية - الإيرانية واللبنانية - الإسرائيلية، برعاية أميركية، التي ركزت في بنودها على وقف إطلاق النار، الذي بقي حبراً على ورق.

وبين الحديث عن الدعوات والمطالبات بانسحاب إسرائيل، التي ترفع من شروطها وتهديداتها، يبرز المشهد الميداني والعملياتي لجيش الاحتلال، الذي يحكم سيطرته على المنطقة، التي أطلق عليها "المنطقة الصفراء"، دون أن يلغي ذلك تطورات أمنية مهمة داخل هذه المنطقة، تمثلت خلال شهر حزيران المنصرم بتنفيذ سلسلة عمليات "نظيفة" للمقاومة في دير سريان والطيبة وعيتا الشعب، أسفرت عن مقتل ضباط إسرائيليين، إلى جانب محاولات تسلل إلى داخل الأراضي الفلسطينية.

ويبدو أن هذه العمليات جاءت لتشكل بروفة مستقبلية لكيفية ممارسة العمليات من داخل الأراضي المحتلة، تكون أشد إيلاماً للعدو، في حال لم تتضح مسألة تدرج الانسحاب الإسرائيلي.