المصدر: إرم نيوز

The official website of the Kataeb Party leader
الاثنين 19 تشرين الأول 2026 15:58:05
تواجه الجغرافيا اللبنانية أحد أخطر المنعطفات السيادية والدبلوماسية في تاريخها الحديث، عقب إقرار مجلس الأمن الدولي إنهاء عمليات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" والمقرر في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.
وجاء التحوّل الميداني عقب تراكم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المشتركة؛ ما فتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات بالغة التعقيد تتجاوز فكرة الفراغ الأمني التقليدي، لتطال جوهر الخريطة الحدودية للبنان وهويته السيادية.
وتتزامن هذه التطورات مع تسريبات أمنية لبنانية رفيعة المستوى في بيروت تفصح لأول مرة عن كواليس الغرف المغلقة بشأن مخطط المواقع الـ50 المقسمة.
عقدة ميدانية
وقالت المصادر، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن العقدة الميدانية الكبرى في الموضوع تكمن في أن قرابة نصف المواقع والمراكز التابعة لقوات اليونيفيل، البالغ عددها الإجمالي نحو 50 موقعاً ونقطة مراقبة ممتدة بين نهر الليطاني والخط الأزرق، باتت تقع جغرافياً وعملياتياً ضمن مناطق السيطرة المباشرة أو نفوذ النار للجيش الإسرائيلي نتيجة التوغلات الميدانية الأخيرة.
وأوضحت المصادر أن هذا الواقع اللوجيستي يجعل آلية التسليم والاستلام بين القوات الدولية والجيش اللبناني شبه مستحيلة دون غطاء تفاوض مباشر ترعاه واشنطن.
وأشارت إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام، في ظل هكذا وضع، يخوض سباقاً محموماً خلف الكواليس لإقناع عواصم القرار الغربية باعتماد أحد الخيارات التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
وأكدت المصادر أن الخيار اللبناني المفضل الذي يجري التفاوض عليه سراً هو نشر بعثة مراقبين دوليين مصغرة تتراوح بين 2000 و3500 فرد، تتمتع بمرونة الحركة ومحصنة بفرقة حماية أوروبية، بحيث تنتشر جغرافياً إلى ما وراء نهر الليطاني لتجنب الاحتكاك المباشر مع النقاط الإسرائيلية الحالية.
وأكدت المصادر وجود مسار أوروبي موازٍ يتمثل في خطة بديلة بدأتها إيطاليا وفرنسا بالتنسيق مع عشر دول أوروبية إضافية وتركيا، لبناء بعثة تدريب ودعم لوجيستي متطورة لصالح الجيش اللبناني مدتها ثلاث سنوات.
والهدف غير المعلن لهذه البعثة هو تزويد وحدات الجيش اللبناني بمنظومات مراقبة تقنية متطورة من رادارات أرضية وطائرات مسيرة قصيرة المدى، لتعويض النقص الفادح في العيون الميدانية التي كانت توفرها أبراج اليونيفيل.
غياب الشاهد الدولي
وعلى الصعيد العسكري، يؤدي غياب الطواقي الزرقاء إلى نزع الرقابة الدولية المباشرة عن الجبهة، وهو ما ترى فيه المؤسسة العسكرية اللبنانية بمثابة ضوء أخضر غير معلن لتكريس الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي اللبناني، حيث تسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على مساحة تقدر بنحو 600 كيلومتر مربع، وهي رقعة جغرافية ممتدة من الناقورة غرباً وحتى جبل الشيخ شرقاً.
وفي قراءته للمشهد، يرى المحلل السياسي ميشيل نجم، أن غياب الشاهد الدولي يسهم في إطلاق يد الآليات الإسرائيلية لتوسيع عمليات جرف الأحراج وتدمير البنى التحتية وتسوية القرى الأمامية بالأرض بالكامل.
وأكد نجم، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا التدمير المنهجي يهدف بالأساس إلى خلق منطقة عازلة خالية من الحياة الجغرافية والسكانية تمنع أي إمكانية لعودة ما يزيد على مليون نازح لبناني إلى ديارهم.
وأوضح نجم أنه فوق ذلك، فإن إنهاء عمل البعثة الدولية يسهم مباشرة في إزالة الموثّق المعتمد الوحيد للجرائم والانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية، وبذلك تفقد الدولة اللبنانية السجل الموضوعي الذي طالما استخدمته كأداة قانونية أساسية لرفع الشكاوى أمام مجلس الأمن والمنظمات الدولية.
وأشار إلى أن الخطر الأشد فتكاً بالكيان اللبناني نتيجة هذا الانسحاب يتمثل في البعد السيادي والجيوسياسي، إذ إن خروج القوات الدولية يعني عملياً سقوط الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 كخط انسحاب مؤقت.
وتخشى الأوساط الرسمية اللبنانية من قيام تل أبيب بفرض خطوط حدودية جديدة وقضم أراضٍ جغرافية إضافية مستغلة فائض القوة العسكرية، تماشياً مع الأيديولوجيات اليمينية السائدة حول إسرائيل الموسعة التي تطمح لضم أجزاء من جنوب لبنان والبلدات السورية المحاذية.
وأوضح أن وجود علم الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني يُعد بمثابة مظلة شرعية دولية تمنح الأراضي اللبنانية حماية سياسية وقانونية بموجب القرار "1701" والقرارات ذات الصلة، مضيفًا لكن مع غياب هذه المظلة فإن المنطقة ستكون مكشوفة بالكامل قانونياً وسياسياً؛ ما يحوّل الصراع من نزاع حدودي خاضع للرقابة الدولية إلى مواجهة مفتوحة بلا ضوابط.
تداعيات ممتدة
وفي هذا السياق، يصف المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج، مقاربة الحكومة اللبنانية لهذا الملف بالمتهاونة والمفتقرة للاستباقية، إذ عجزت الدبلوماسية اللبنانية عن بناء جبهة دولية مانعة للقرار الأممي الأخير، واكتفت بردود الأفعال والمناشدات المتأخرة لتفادي الفراغ الأمني دون تقديم بدائل سيادية متماسكة.
وأكد صبري الحاج، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن آثار رحيل القوات الأممية لا تقتصر على الشقين العسكري والسياسي، بل تمتد لتضرب الاقتصاد الجنوبي المتهالك في مقتل. فخلال العقود الخمسة الماضية، شكلت البعثة الدولية ركيزة اقتصادية حيوية من خلال تحريك العجلة التجارية المحلية، إذ كانت قوات اليونيفيل التي تضم آلاف الجنود والموظفين الدوليين تمثل القوة الشرائية الأساسية في عشرات البلدات والقرى الجنوبية.
ويرى أن رحيل القوات يعني توقفاً كاملاً لعقود الإمداد الغذائي واللوجيستي والخدماتي التي كانت تعتمد عليها مئات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجنوب اللبناني.
وأضاف أن توفر البعثة الأممية مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للمدنيين اللبنانيين من مترجمين ومهندسين وإداريين وعمال صيانة.
وأوضح أن شطب هذه الوظائف المدفوعة بالعملة الصعبة، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وانهيار العملة الوطنية، سيزيد من عمق الكارثة المعيشية للعائلات الجنوبية.كما يقول المحلل الحاج .
وتابع كما ينسحب ذلك أيضاً على توقف المشاريع الإنسانية والإنمائية التي طالما لعبت مكاتب التعاون المدني العسكري التابعة لليونيفيل دوراً محورياً في تمويلها وتنفيذها، والتي شملت شق الطرقات وتجهيز المدارس والمستشفيات وبناء شبكات المياه والطاقة البديلة وتأمين المساعدات الطبية الطارئة للقرى الحدودية، وهي خدمات ستتوقف بالكامل بمجرد خروج آخر جندي أممي.