المصدر: وكالات
الاثنين 21 أيلول 2026 11:22:39
في الذكرى السنوية الثانية لعملية تفجير أجهزة «البيجر»، كشفت إسرائيل وثائق جديدة وتفاصيل غير مسبوقة عن واحدة من أعقد عمليات الموساد ضد حزب الله، والتي مهدت لاغتيال أمينه العام حسن نصر الله.
وجاء في تقرير نشره موقع «واللا» الاسرائيلي أنه في 17 سبتمبر 2024، عند الساعة 3:30 بعد الظهر، صدر أمر من مكان ما في إسرائيل، وبضغطة زر واحدة أُرسلت رسالة مفبركة تحمل توقيع قيادة حزب الله. وفي غضون ثوانٍ، بدأت آلاف الأجهزة بإصدار أصوات تنبيه في مختلف أنحاء لبنان وسوريا. وما إن التقط عناصر الحزب أجهزتهم ونظروا إلى شاشاتها، حتى انفجرت عبوات ناسفة صغيرة زُرعت مسبقًا داخل كل جهاز، واستمرت الانفجارات تباعًا لنحو نصف ساعة.
وأسفر الهجوم عن نحو خمسة آلاف جريح، بينهم مئات في حالات خطيرة، وأكثر من عشرين قتيلًا، بينهم قادة ميدانيون في حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
صالة في مقر الموساد صارت مصنعاً للأجهزة المفخخة
بحلول 7 أكتوبر 2023، كان الموساد قد أنتج 500 جهاز وسلّمها إلى حزب الله بطريقة بالغة التعقيد، من دون ترك أي أثر. وبعد «السبت الأسود»، أصدر رئيس الموساد آنذاك ديدي برنيا أمرًا بتسريع الإنتاج، مدركًا أن «يوم القيامة» يقترب، وأن انضمام الحزب إلى الحرب مسألة وقت. وبينما كان التوتر يتصاعد، تزامن ضغط الموساد لتسريع وتيرة الإنتاج مع طلب حزب الله المتزايد مزيدًا من الأجهزة.
وجُمعت الأجهزة واحدًا تلو الآخر يدويًا، في ظل ظروف بالغة الحساسية، إذ تعذّر إخفاء المتفجرات داخل الأجهزة باستخدام معدات المصنع من دون أن تكشفها أجهزة المسح أو تترك أي أثر مشبوه.
وبموجب قرار من برنيا، أُنشئ خط إنتاج وتجميع داخل مقر الموساد نفسه، مع تجميد مشاريع أخرى وتعليق أنشطة التطوع التي التحق بها أعضاء الموساد في المستوطنات القريبة والمزارع، لتسخير الطواقم الميدانية في تنفيذ المهمة.
وبعد وقت قصير، برز تحدٍّ لوجستي حاسم: لم يكن هناك مبنى شاغر يتسع لجميع محطات التجميع داخل المقر. وكان الخيار الوحيد صالة الألعاب الرياضية التابعة للموساد، فأُخليت تمامًا من المعدات، وعمل الحراس على رفع مستوى الإجراءات الأمنية وتحويلها من مساحة روتينية إلى مركز أمني شديد الحساسية في قلب المقر. وإلى جانبها، نُصبت منشآت متنقلة.
وهكذا، أنجزت فرق الموساد العملية عبر مناوبات متواصلة، لتجهيز الأجهزة بالعبوات المفخخة، قبل أن تصبح جاهزة للتسليم.
لغز يحوّل المستحيل إلى واقع
انبثقت فكرة دمج المتفجرات داخل أجهزة نداء صغيرة يمكن تفجيرها عن بُعد، قبل سنوات عدة، في ذهن إحدى العاملات في وحدة التكنولوجيا في الموساد. لكن الاقتراح رُفض لأسباب تتعلق بالميزانية والتكنولوجيا، قبل أن يُعاد طرحه خلال فترة رئاسة برنيا.
ويتذكر مصدر مطلع على عملية التجميع: «قال كثيرون إنها غير ممكنة، وإنه لا سبيل إلى ذلك. وادعوا أن المتفجرات صغيرة جدًا ولن تكون فعالة، وأن الأمر معقد للغاية ولن ينجح أبدًا، وأنه من المستحيل إخفاء قنبلة داخل جهاز تنبيه».
وفور توليه رئاسة الموساد، قاد برنيا إصلاحًا شاملًا في الموارد البشرية بهدف استقطاب كفاءات عالية وخبرات واسعة إلى المنظمة السرية. وكان من أبرز المجالات التي جرى تعزيزها المجال التكنولوجي، حيث جرى توظيف «مراكز معرفية رائدة» بعقود شخصية.
ومن أولى المهام التي أوكلها إلى فريق الخبراء إنتاج دائرة مغلقة من المتفجرات داخل جهاز تنبيه صغير يمكن تفعيله عن بُعد.
وقال مصدر مطلع على تفاصيل العملية: «في البداية، بدا الأمر وكأنهم مُنحوا مهمة مستحيلة، تكاد تكون ضربًا من الخيال العلمي. لم يسبق لأحد في العالم أن ابتكر مثل هذه الدائرة، وكانت المهمة الإضافية هي ضمان استحالة اكتشافها بأي شكل من الأشكال».
وأضاف المصدر: «وغني عن القول إن معظم من كانوا في بيئة العمل لم يصدقوا إمكانية تطوير شيء كهذا، ولكن يُحسب لبرنيا أنه حثّهم باستمرار وضغط عليهم، وقال ببساطة: "أنا أؤمن بقدرتكم على فعلها". لقد منحهم روح القائد».
وفي نحو عام 2022، اقترب أحد هؤلاء التقنيين من برنيا وهمس في أذنه: «لقد فعلتها. هناك طريقة».
أنصت برنيا إليه باهتمام بالغ، وأجاب: «رائع. تعال إلى مكتبي، أريد أن أرى ذلك».
وقال التقني، الذي نال لاحقًا جائزة الدفاع الإسرائيلية عن هذا العمل: «لم يُدوّن الأمر في أي مكان. سهرت طوال الليل، وخطرت الفكرة ببالي فجأة».
وأصرّ برنيا على رؤية الفكرة، فتوجها إلى المكتب، حيث رسم التقني مخططًا للعملية برمتها على ورقة. وتبلورت الفكرة وأصبحت واقعًا عمليًا، وحصلت على جميع الموافقات اللازمة، التشغيلية منها والمتعلقة بالسلامة.
اللحظة التي شعر فيها نصر الله بأن الموت قد أدركه
كان الموساد والمخابرات العسكرية الإسرائيلية على علم بأن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، لم يكن يحمل جهاز نداء معه في الملجأ. ومع ذلك، كان عدد من مساعديه وحراسه يعملون في محيطه المباشر، مستخدمين الأجهزة للبقاء على اطلاع دائم بالإعلانات العملياتية العامة والحفاظ على مستوى عالٍ من السرية، ولا سيما في ظل المخاوف من مراقبة الهواتف المحمولة من جانب المخابرات الإسرائيلية.
وفي لحظة الحقيقة، أصيب الأشخاص الأقرب إلى نصر الله بانفجار العبوات وسقطوا بجانبه مباشرة.
ووفقًا للمصادر التي أوردها التقرير، كان ذلك أقرب موقف شعر فيه نصر الله، خلال ما يقارب عشرين عامًا، بأن الموت يحيط به وأن إسرائيل قادرة على الوصول إليه. علاوة على ذلك، فقد شهد المشهد بأم عينيه، ولم يكن الضحايا عناصر مجهولين خارج الملجأ، بل أشخاصًا يعرفهم معرفة وثيقة.
وبالنظر إلى ما حدث لاحقًا، قدّرت مصادر استخباراتية أن هذه اللحظة، إلى جانب الأثر الأوسع لعملية تفجير أجهزة النداء، شكّلت نقطة تحول في وعي نصر الله. فقبل تلك اللحظات، كان، بحسب التقرير، رجلًا يعرف إسرائيل وصنّاع قرارها وأجهزتها الأمنية عن كثب.
وأشار مصدر أمني إلى أن «على الرغم من عظمة المفاجأة، فإن الصدمة والإذلال اللذين شعر بهما نصر الله وكبار قادة المنظمة كانا عظيمين أيضًا»، مضيفًا أن هذا الحدث قوّض، بشدة، حكمه وثقته بنفسه في ما يتعلق بالمستقبل.
وفي اليوم التالي، وُجّهت الضربة الثانية، التي قال التقرير إنها ألحقت ضررًا كبيرًا بهالة قوة حزب الله، إذ صدر الأمر وبدأت أجهزة الراديو التابعة للمنظمة بالانفجار واحدًا تلو الآخر.
وبعد عام، قالت مصادر إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تمكنت من الاطلاع على أفكار نصر الله، هذه المرة من دون استخدام عملاء أو عمليات تنصت خاصة.
وصرّح جواد، نجل الأمين العام لحزب الله، في مقابلة مع قناة «المنار» اللبنانية في 28 فبراير 2025، بأن والده «دخل في حالة اكتئاب حاد بعد اغتيال فؤاد شكر في نهاية يوليو 2024، ثم عقب عملية البيجر».
ووفقًا له، فإن كل من التقى والده بعد تلك العملية قال: «لقد فارقنا». وفي مقابلة أخرى مع وسائل إعلام، أضاف جواد أن والده كان مستاءً للغاية وغاضبًا ومتذمرًا، لا سيما بالنظر إلى حجم المفاجأة التي أحدثتها الاستخبارات الإسرائيلية، وأنه كان يرى نفسه مسؤولًا بشكل مباشر عن إلحاق الضرر بشعبه.
وقالت زينب، ابنة نصر الله، أيضًا إنها عندما اتصلت بوالدتها بعد عملية «البيجر» وسألتها عن حال والدها ورد فعله على أنباء الانفجارات، أجابتها الأم: «كان يبكي».
وبحسب مصادر في مجتمع الاستخبارات، فإن نجاح العملية كان كبيرًا، وفق توصيفها، لأنها تمكنت من زعزعة استقرار نصر الله وإرباكه وتعطيل قيادته قبل اغتياله في قلب بيروت.
وفي خطاب أطلق عليه الموساد اسم «الخطاب الأخير»، قبل يومين فقط من اغتياله، وصف نصر الله تفجير أجهزة الراديو والبيجر بأنه «ضربة أمنية قاسية وغير مسبوقة، لا مثيل لها في تاريخ الحملة»، واعتبره «إعلان حرب» يستوجب الانتقام. واعترف صراحة بأن العملية ألحقت ضررًا بالغًا بهيكل القيادة والسيطرة في التنظيم.
وأشارت مصادر استخباراتية إلى أنه «في هذا الخطاب، كان واضحًا أنه مكتئب، لم يكن هذا هو نصر الله الذي نعرفه». وأضافت: «شرح للشعب اللبناني مدى القوة التكنولوجية لدولة إسرائيل في عملية البيجر. يمكنك أن تراه وهو يخلع نظارته ويمسح عرقه».