المصدر: الراي الكويتية
الكاتب: وسام أبوحرفوش وليندا عازار
السبت 15 آب 2026 23:32:50
بدت بيروت وواشنطن معاً في عيْن اندفاعة النار الأخطر منذ نحو 4 اشهر في جنوب لبنان حيث سقط 11 ضحية بينهم أطفال ونساء و19 جريحاً بغارات إسرائيلية، و«البلاغين رقم 1 و2» من «حزب الله» تجاه الداخل كما تل أبيب واللذين حمل أوّلهما توعُّداً للسلطة بالعدّ العكسي لـ «انفجار الغضب الساطع» وللدولة العبرية بأن «اعتداءاتها وتجاوزاتها ومحاولاتها فرض أمر واقع ستُقابل بما يناسبها، دفاعاً عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية».
ومن خلف غبار التصعيد الأكبر جنوباً والحصيلة الدموية المفجعة للغارات على أنصار ودير الزهراني (قضاء النبطية) والتي أعلنت إسرائيل أنها «رداً على خرق خطير للاتفاق من «حزب الله» بعدما هاجم القوات الإسرائيلية في منطقة مرتفعات علي الطاهر الواقعة داخل المنطقة الأمنية»، تطايرت مؤشراتٌ إلى أنه موصولٌ بالتقاطع الجديد بين الحزب وتل أبيب على «قطع حبْل» المفاوضات التي يخوضها لبنان مع الدولة العبرية برعاية أميركية، الأول بالكامل كي تقع بيروت في «شبَكة» إيران وتبقى رهينة مسار محادثاتها أو صِدامها مع واشنطن، وتل أبيب لإبطاء عملية التفاوض مع «بلاد الأرز» وضبْط سرعتها على «ساعة» انتخابات الكنيست ومقتضيات ربْط أي خفْض للعمليات بإنجاز يسبقه، سواء تَحقَّق بالنار أو على البارد، مثل «معركة علي الطاهر» التي بدأ دخانها يتصاعد.
وفي وقت كانت واشنطن تسعى عبر زيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال جوزيف كليرفيلد لبيروت إلى جعْل المفاوضات تتقدّم خطوةً في اتجاه استنئاف جولتها الثامنة، والثالثة على التوالي في روما، وتحديد موعد لها لا يتجاوز بداية سبتمبر، بدا أن هذه الدينامية تراجعت خطوات إلى الوراء بـ «ناريْ»:
- إسرائيل التي لن تمانع إحراج الدولة اللبنانية لتخرجها عن طاولة التفاوض، ولو موقتاً، لكسب الوقت وزيادة الضغط الميداني وربما جمْع نقاط إستراتيجية قبل أي تهدئة «قسرية» تفرضها الولايات المتحدة، وكل ذلك في سياق إعداد الأرضية لانتخابات أكتوبر.
بيان نتنياهو
وعَكَسَ البيان الذي صدر عصر اليوم السبت، عن مكتب بنيامين نتنياهو محاولة لتدارُك غضبة جديدة بوجهه من الرئيس دونالد ترامب، حيث أعلن فيه أن «حزب الله» انتهك هذا الصباح وقف النار في لبنان بمهاجمة جنودنا في المنطقة الأمنية، ما أسفر عن إصابة 3 جنود بجروحٍ خطيرة. وأضاف «الجيش الإسرائيليّ ردّ على هجوم الحزب بقصف مقرّ القيادة التابع له الذي أصدر أوامر الهجوم». وتابع: «لم يعلم الجيش الإسرائيلي إلا في وقت لاحق أن حزب الله تعمّد وضع مدنيين داخل ذلك الموقع العسكري. والحزب مستعدّ لفعل أيّ شيء بما في ذلك استخدام مدنييه كدروع بشرية لاتهام إسرائيل باستهداف المدنيين وهو بكل وضوح ما لم يفعله جيشنا».
وفي السياق جاء إعلان الجيش الإسرائيلي «إننا استهدفنا مقرّاً رئيسيّاً لحزب الله في الغارة على أنصاره واغتلنا قائد قطاع في وحدة الرضوان علي سمير الحاج حسن».
وتابع «أثناء استهداف مقر القيادة تواجد أفراد عائلة حسن المذكور معه في المقر العسكري، ويُدعى بأنهم أصيبوا جراء الاستهداف. نؤكد أن أفراد العائلة لم يكونوا أهدافا للهجمة. تم توجيه الهجمة بصورة مركزة ضد العنصر حسن المذكور، الذي كان هدف مشروعاً للضرب وفقاً لأحكام القانون الدولي. اتخذ العنصر المذكور من أفراد عائلته دروعاً بشرية واختبأ معهم داخل مقر القيادة العسكري».
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الحصيلة النهائية للغارة (ذكرت وسائل إعلام لبنانية أنها استهدفت 3 أبنية متجاورة في منطقة تضم منتجعاً سياحياً مدنياً مخصص للعائلات والأطفال) كانت 7 ضحاياً بينهم 3 أطفال وامرأتان، إضافة إلى إصابة مواطنيْن اثنين بجروح.
«حزب الله»
- و«حزب الله» الذي يجد في استدراج تصعيد إسرائيلي أكبر «شرعية» يمكن أن يضفيها على هجومه الأشرس على السلطة اللبنانية و«أصْل» المفاوضات، والذي يرتكز على أن هذا المسار لا يحمي لبنان ولم يؤمن وقف نار جدياً وأن وحدها «الدبلوماسية التي تستند إلى الصواريخ الإيرانية»، أي مسار التفاوض الأميركي - الإيراني قادر على لجم تل أبيب، وصولاً لتقاطُع معطيات وتقارير على التلويح بأن أي هجوم إسرائيلي لإسقاط البنية السفلية لتلة علي الطاهر ومنشأة الحزب فيها سيستدعي تدخلاً عسكرياً من طهران ضد إسرائيل، بالتوازي مع حسْم أن طروحات مثل تسليم «مدينة الأنفاق» تحتها للجيش اللبناني مستحيلة لأنها تعني تسليماً بمبدأ أن عنوان سحب سلاحه يشمل شمال الليطاني.
وفي حين كانت مناخاتٌ بين قريبين من المحور الإيراني في لبنان تلمح إلى أن إيران قد لا تسكت عن التصعيد الإسرائيلي وربما «تَنْفَذ» لتنفيذ ردٍّ من عدم رغبة الرئيس دونالد ترامب في فتْح معركة كبيرة، فإنّ مثل هذا السيناريو بدا شديد الحساسية في ضوء ارتباطه بحسابات بالغة التعقيد والدقة يتساوى فيها «الخطأ الكبير مع القرار الكبير» بإشعال الحرب الأخيرة أو السقوط في فخ استجرارها، وإن كانت أوساط على خصومة مع هذا المحور اعتبرت أن تكرار تظهير أهمية «الإسناد» الإيراني المباشر للحزب من طهران هي على طريقة «من فمك أدينك» بحيث إن هذا يؤكد سقوط أي قدرة للحزب على مقارعة تل أبيب منفرداً وحاجته المستجدّة لحماية الجمهورية الإسلامية وتالياً تداعي سردية دوره برمّتها.
قاليباف
ولم يكن عابراً وفق هذه الأوساط أن يعترف رئيس مجلس الشورى الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، باستمرار التواصل المباشر مع عناصر«حزب الله» على الخطوط الأمامية في لبنان، مشيراً إلى انخراطه في الشأن اللبناني منذ عام 1985.
وقال خلال لقائه مثقفين إيرانيين، إنه كان صديقاً مقرباً لعدد من قادة وعناصر الحزب البارزين، مضيفاً «أنا أعرف فرداً فرداً مَن هؤلاء الشباب. وحتى هذه اللحظة أنا على تواصل مباشر مع الشباب على خط المواجهة هناك»، موضحاً أن «جبهة المقاومة» أُدرجت في البند الأول من مذكرة التفاهم الرسمية مع واشنطن، بهدف «إثبات سيادة لبنان ووحدة أراضيه».
واستوقف الأوساط نفسها أن «حزب الله» قام بـ«شدّ الحبْل» تجاه إسرائيل بعد ساعاتٍ من خطابٍ اعتُبر الأخطر لأمينه العام الشيخ نعيم قاسم تجاه الداخل أَرْفَقَ فيه اعتراضه الثابث على مسار «الذل والعار» الذي تشكله المفاوضات التي تخوضها السلطة اللبنانية مع تل أبيب بتهديدٍ بلا قفازات بـ«أن ينفجر الغضب» الذي يملأ قلوب بيئة الحزب، إذ أكد «أن المقاومة قادرة على تغيير المعادلة»، متوجهاً لـ«الأهالي»: «من حقّكم أن تغضبوا وأن تعبّروا عن غضبكم، لكننا نطلب منكم أن تختزنوا هذا الغضب وتتهيأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحين لتحقيق أهدافكم ومطالبكم (...) إن الغضب له وقت ويمكن أن ينفجر. أمّا كيف ينفجر؟ فليتحمّل المسؤولية من لا يعرف العمل ويحاول العمل ضد المقاومة وأهلها، والذين يعتدون على المقاومة وشعبها وعلى لبنان».
وفي حين بدا هذا التهديد برسْم السلطة اللبنانية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، كما رعاة الواقع في بلاد الأرز وفي مقدّمهم الولايات المتحدة، فإن مصادر مطلعة اعتبرت أن من الصعب فصْل هذه «الخشونة» الكلامية، حتى الساعة من«حزب الله»والتي تؤشر الى مسار من«المضايقات»السياسية وربما أكثر تمهيداً لمقايضاتٍ في الداخل والإقليم، عن المشهد الأكبر في المنطقة وتحديداً داخل ساحات المحور الإيراني ولاسيما في العراق حيث يُرصد كيف ستستكمل الميليشيات الموالية لطهران سباق«حصر السلاح»ومهلة نهاية سبتمبر، وفي اليمن حيث ارتسم سلوكٌ تصعيدي متعدد البُعد من الحوثيين تجاه الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
وكما في خلفيات التصعيد الحوثي تجاه الحكوم الشرعية الذي يُربط بالسعي لتشكيل واقع ميداني جديد يضغط في مفاوضات الحلّ الشامل لتحقيق شروط تخص تقاسم السلطة والموارد في«اليوم التالي»، مع ارتباطٍ وثيق لهذا التصعيد بالإستراتيجية الأوسع لتعزيز عناصر«صمود» النفوذ الإقليمي لإيران في المسار الشائك لمعركتها، وربط الجبهة الداخلية بملفات المنطقة، فإن الخشية من أن يكون أداء«حزب الله»على الموجة نفسها وبالخلفيات عيْنها ما يجعل الأفق اللبناني مفتوحاً على سيناريوات شديدة القتامة. علماً أن ثمة مناخاً عن أن الحزب لن يكون إلا كمن يطلق رصاصة في الرأس في حال أقدم على أي ارتدادٍ«انقلابي»في الداخل في ضوء غياب إمكان «صرف» مثل هذا الخيار على صعيد ميزان الحُكم، لا محلياً ولا عربياً ودولياً، ووقوعه عملياً في«حقل نار» متعدد الاتجاه في ضوء التحول الإستراتيجي في سوريا منذ سقوط نظام الأسد.
وفي بيانه عن الاعتداءات الإسرائيلية زاوج الحزب بين مهاجمة السلطة وتهديد تل أبيب، في موازاة الردّ على كلام السفير الأميركي ميشال عيسى الذي كان قال بعد زيارته برفقة كليرفيلد رئيس البرلمان نبيه بري رداً على سؤال عن موعد وقف الاعتداءات «قولوا لحزب الله أن يسلّم سلاحه فيتوقف كل شيء».
وقد اعتبر الحزب أنه «آن للسلطة أن تتوقف عن اللهاث خلف المفاوضات التي يجرّها إليها الأميركي (...) وما التصريح الأخير والوقح والابتزازي للسفير الأميركي في لبنان الذي دعا فيه إلى تسليم سلاح المقاومة، إلا تأكيد على أن ما يبحث عنه الأميركي هو مصلحة العدو (...) وعلى اللبنانيين جميعاً، بكل مكوناتهم، أن يدركوا خطورة النهج الذي تنتهجه هذه السلطة على لبنان ووحدته وأمنه واستقلاله وأن على العدو الإسرائيلي أن يفهم جيداً أن اعتداءاته وتجاوزاته ومحاولاته فرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها».
لبنان الرسمي صوتاً واحداًفي إدانة اعتداءات إسرائيل
دان الرئيس جوزاف عون، الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق الجنوب «ولا سيما على منطقة النبطية ومحيطها وخروقها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين ما أدى إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار»، معتبراً «أن هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق».
وأكد رئيس البرلمان نبيه بري «أن المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت بأن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان وكذلك في المنطقة»، معتبراً أن هذا العدوان «دعوة لترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، وهو أيضا برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار لتحمل المسؤولية لوقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».
وحذّر رئيس الحكومة نواف سلام، من خطورة التصعيد الإسرائيلي، معتبراً أن الغارات والقصف الكثيف وترهيب الأهالي في منازلهم تقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب. وشدّد على «أن شهداء الغارة على أنصار السبعة، وبينهم أطفال ونساء، ليسوا بنية تحتية عسكرية ولا أهداف عسكرية»، مؤكداً أن التعامل مع أي بنى عسكرية، في حال وجودها على الأراضي اللبنانية، هو من مسؤولية الدولة حصراً عبر الجيش والمؤسسات الشرعية، ولا يمنح إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر. وطالب إسرائيل بوقف التصعيد، مؤكداً أن أمن اللبنانيين وحقهم في الحياة على أرضهم «ليسَا موضع تفاوض أو مساومة».
أردوغان: مصدر قلق كبير لتركيا استمرار هجمات إسرائيل على لبنان
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إنّ «استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان يُشكّل مصدر قلق كبير لنا».
وأضاف لـ«الجزيرة»: «بحثت مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، خلال زيارته الأخيرة إلى تركيا ضرورة وقف الحرب على لبنان».
وشدّد على أنّ «الدور الأميركيّ مهمّ في وقف الحرب الإسرائيليّة على لبنان».