إنتفاضة على "حزب الله" في الجنوب والضاحية

عكست لهجة الخطاب التي وجهها النازحون من الجنوب والبقاع، إلى "حزب الله"، لهجة لافتة في الانتقادات، أظهرت أن البيئة الجنوبية والبقاعية تنتفض على الحزب وتقرّعه في الشوارع، بعد أن أشعل إطلاقه صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، حرباً إسرائلية جديدة، وموجة جديدة من النزوح.

 

ولم تعد الانتقادات محصورة في خصوم الحزب التقليديين، بل امتدت إلى أصوات محسوبة سابقاً على بيئته المؤيدة أو الصامتة، وهذا ما يعكس تحوّلاً واضحاً في المزاج العام داخل بيئته الحاضنة ورفضاً متزايداً لقرار عسكري منفرد يجرّ البلاد إلى مواجهة جديدة.

في قراءة أولية للنقاشات الرقمية، يظهر اتجاه واضح نحو الفصل بين الموقف من إسرائيل بوصفها عدواً تاريخياً للبنان، ورفض إدخال البلاد في حرب جديدة ذات طابع إقليمي. عدد من الناشطين والصحافيين الذين عبّروا عن مواقفهم، شدّدوا على أن معارضتهم لإسرائيل لا تعني تأييد أي قرار عسكري قد يعرّض لبنان لدمار إضافي، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي يعيشه البلد، لا سيما أن البلاد لم تخرج بعد من تبعات الحرب الأخيرة على حزب الله من ألم وفقد، وأن كثيراً من الناس ما زالوا حتى الآن مهجّرين ومن دون بيوت، ومنهم من قُطعت أرزاقهم.

ثلاثة سيناريوهات الانتقادات تمحورت حول سؤال أساسي: لماذا اتخذ الحزب قرار التصعيد وهو يدرك أن الرد الإسرائيلي سيؤدي إلى تهجير ودمار واسع؟ بعض التحليلات ربط الخطوة بثلاثة سيناريوهات متداولة: أولها الإسناد المباشر لإيران في مواجهة الهجوم عليها، وثانيها الرد الانتقامي الرمزي، وثالثها محاولة فرض حضور الحزب في أي تسوية إقليمية مقبلة. إلا أن كثيرين رأوا أن أياً من هذه الدوافع لا يبرّر تعريض المدنيين اللبنانيين لمخاطر حرب واسعة.

وقد جاء بعض هذه التعليقات من أشخاص أكدوا أنهم دعموا سابقاً ما سُمّي "حرب إسناد غزة"، معتبرين أن دعم الفلسطينيين في مواجهة الحرب الإسرائيلية كان مفهوماً ضمن سياق المواجهة مع إسرائيل. غير أن هؤلاء أنفسهم عبّروا عن استياء كبير من ربط لبنان الآن بردّ فعل على اغتيال شخصية إيرانية، معتبرين أن لبنان يُزجّ في صراع لا علاقة مباشرة له به.

كرامة تقتل أهلها

في هذا السياق، تكررت عبارات تعبّر عن رفض "كرامة تقتل أهلها"، في إشارة إلى شعور بأن شعارات المواجهة لم تعد تقنع شريحة من اللبنانيين إذا كانت نتائجها المباشرة تهجير السكان وتعريضهم للقصف وخسارة مصادر رزقهم. كما برزت انتقادات لفكرة "المقاومة بلا ردع وبلا عقل"، حيث رأى معلّقون أن الردع الحقيقي يجب أن يمنع الحرب لا أن يستدعيها.

جانب آخر من السخط تمثّل في المقارنة بين سلوك الحزب خلال الأشهر الماضية وسرعة تحرّكه بعد اغتيال المرشد الإيراني. إذ أشار ناشطون إلى أن الحزب ضبط التصعيد طوال فترة طويلة من الضربات الإسرائيلية المتواصلة داخل لبنان، أسفرت عن شهداء وجرحى وخسائر اقتصادية واحتلال أراضٍ لبنانية وتهجير قرى بأكملها، وفالتزم بعدم الرد وإلقاء المسؤولية على الدولة اللبنانية. لكن التحرك العسكري جاء مباشرة بعد استهداف إيران وقيادتها، وهذا ما اعتبره منتقدون دليلاً على أولوية الأجندة الإقليمية للحزب على حساب المصلحة اللبنانية.

الدفاع عن لبنان

هذا الانطباع عزّز خطاباً متزايداً يعتبر أن سلاح الحزب لم يعد يُنظر إليه كأداة ردع دفاعية لحماية لبنان، علماً أن الحكومة اللبنانية كانت قد نزعت هذه الصفة والشرعية عن السلاح في هذا الإطار، بل كجزء من منظومة إقليمية مرتبطة بإيران. وذهب معلّقون إلى حد القول إن الذريعة التقليدية لامتلاك السلاح؛ أي حماية لبنان من إسرائيل، فقدت جزءاً من صدقيتها لدى فئات كانت تتقبلها سابقاً، بعدما بات استخدام هذا السلاح مرتبطاً بصراعات خارجية.

كما برزت مخاوف من أن يمنح التصعيد إسرائيل مبرراً لتوسيع عملياتها العسكرية أو فرض منطقة عازلة في جنوب لبنان، وهو سيناريو يخشاه كثيرون لما يحمله من تداعيات إنسانية وسيادية. وتساءل معلّقون عمّا إذا كانت قيادة حزب الله وصنّاع القرار العسكري يأخذون في الاعتبار أوضاع المدنيين العالقين في الطرق، أو الذين قد يجدون أنفسهم مجدداً في موجات نزوح جديدة وسط ظروف اقتصادية قاسية.

في المحصلة، تكشف ردود الأفعال اللبنانية على التصعيد الأخير، تآكلاً واضحاً في هامش التأييد الشعبي، حتى داخل الأوساط التي لم تكن تقف تقليدياً في موقع الخصومة مع حزب الله. وبينما ما زال عداؤهم لإسرائيل عاملاً جامعاً لدى معظم اللبنانيين، فإن الخلاف يتسع حول جدوى إدخال لبنان في مواجهات إقليمية مفتوحة، في حين تزداد الدعوات إلى إعطاء الأولوية لحماية الداخل اللبناني وتحييده عن صراعات لا يملك قدرة تحمّل تبعاتها.