المصدر: نداء الوطن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الاثنين 9 آذار 2026 06:22:31
خلافًا لما شهدته المعابر البرية خلال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، قد تبقى المناطق الحدودية التي تفصل لبنان عن سوريا في المرحلة المقبلة، بمنأى عن غارات مشابهة لتلك التي شهدتها سابقًا، سواء في حرب تموز 2006، أو خلال الجولة الأولى من العدوان الإسرائيلي الأخير المتجدد حاليًا.
ومع ذلك فإن سوريا لم تعد وجهة تقصدها "بيئة حزب الله" المستهدفة مجددًا. فطريق "بيئة الحزب" إلى سوريا ليست سالكة اليوم. والعبور ممنوع ضمنًا، ولو سيرًا على الأقدام. ومن المستبعد أن تترأف بها حتى الروابط الاجتماعية التي نسجت بين البلدين.
فالهوة التي خلّفها تدخل "الحزب" في معركة نظام الأسد مع شعبه، ما زالت قائمة. بل تبدو أعمق اليوم، حتى من الخنادق التي أحدثتها الغارات على المعابر، وشلّت حركتها خلال الاعتداءات السابقة، سواء من ناحية البقاع وبعلبك، أو حتى من ناحية شمال لبنان.
وظيفة المعابر تبدّلت
في المقابل، لم تعد الوظيفة "الأمنية" لحدود لبنان وسوريا بالنسبة لـ "حزب الله"، خاضعة للمعادلات نفسها التي حكمتها في عهد نظام بشار الأسد. لا بل انقطع وصل هذه المعابر التي استخدمت لفترة طويلة كجسر للإمدادات اللوجستية الأساسية لـ "الحزب". ليجد الأخير نفسه بعد سنتين من سقوط بشار بعزلة تامة.
فسوريا الجديدة اختارت النأي بالنفس عن ورطة "المحور" الذي حكمها في السنوات الماضية، وتعمل على حماية نفسها من تداعيات سقوطه الأخير في لبنان وإيران. ولبنان الرسمي، محكوم بتطبيق القرارات الدولية بضبط حدوده البرّية، وخصوصًا غير الشرعية، وأبرزها الشريان الأساسي الذي يربط قرى سلسلة جبال لبنان الشرقية بالأراضي السورية.
انقلاب السحر على الساحر
شقّ "حزب الله" في السنوات السابقة طريقًا متفلتًا له عبر المنحدرات الجبلية، امتد من قوسايا في شرق قضاء زحلة، وحتى جنتا في بعلبك. وتحكّم بنفوذه بكل المعابر غير الشرعية في قرى قضاء بعلبك من بريتال إلى الطفيل، فضلًا عن السيطرة على المناطق الحدودية في النبي شيت وحام ومعربون، وكلها مناطق خلت من الحضور الشرعي اللبناني، ووقعت الدولة في جهل تام حولها، إلى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، حتى بعد صدور القرار 1701.
بعد موافقة لبنان على اتفاقية وقف الأعمال الحربية في العام 2024، طرحت هذه المعابر "غير الشرعية" كجزء من تطبيق القرار 1701 المتضمن مندرجات القرارين 1559 و1701.
من محاسن القرار 1701 منذ صدوره في العام 2006، أنه أمّن للبنان أبراج مراقبة، وكاميرات، وحسّاسات، وغيرها من وسائل المراقبة الدقيقة لحركة المعابر. والأخيرة كان لها دورها في رصد حركة الطوافات الإسرائيلية التي نفذت انزالاتها على الحدود يوم الجمعة الماضي.
"الحزب" عبّد طريق النبي شيت لفرقة الكومندوس
بدا الإنزال الذي شهدته قرى بعلبك المحاذية لسلسلة جبال لبنان الشرقية ليل الجمعة - السبت الفائت في المقابل، نموذجًا واضحًا لانسلاخ "الحزب" عن شبكة المواصلات التي أنشأها وتحكم بها لسنوات طويلة.
فبحسب البيان الذي أصدره الجيش اللبناني، فإن الطوافات الأربع المعادية التي نفذت الانزال، رُصدت فوق منطقة الخريبة - بعلبك عند الحدود اللبنانية السورية.
والخريبة، هي حلقة من البلدات المذكورة، والتي تتقاسم المسافات الجردية مع سوريا. وقد ساهمت هذه المسافات لفترة طويلة سابقًا في وصل المعابر الحدودية غير الشرعية التي استخدمها "حزب الله" في تأمين امداداته اللوجستية.
إنزال عرّى "الحزب" من وهم التفوّق
استخدمت إسرائيل المعابر نفسها التي استخدمها "حزب الله" في تأمين هذه الإمدادات. ولم تخشَ الطوافات الإسرائيلية التي نفذّت الإنزال، من أن تواجه ببيئة غير "صديقة" على الطرف الآخر من الحدود. فهيئة البث الإسرائيلية كانت قد أبرزت سابقًا الجهد الذي يبذل في سوريا لتفكيك البنية التحتية التي أنشأها "الحزب" على الحدود مع لبنان، مع إمكانية لضرب هذه المواقع. بينما تحدثت التقارير الأمنية الواردة من سوريا عن تعزيزات أمنية عسكرية لها، تم توضيحها في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت يوم الخميس الماضي.
تصدّى أهالي النبي شيت كما "حزب الله" للجنود الإسرائيليين الذين وصلوا حتى القبر، ولكن الإنزال بحد ذاته عرّى "الحزب" من وهم تفوّقه في مناطقة، حتى في النبي شيت التي لا تزال تعتبر قلعة من قلاع "حزب الله"، والخزان البشري الذي أمّن إمداده بالمقاتلين لسنوات طويلة.
أبواب سوريا مفتوحة للسوريين فقط
هذا على الصعيد الأمني. أما من الناحية الإنسانية والاجتماعية، فيبدو أن "حزب الله"، بعد سنة وأكثر من سقوط نظام بشار الأسد، لم ينجح في تأمين الحماية لا لبيئته اللبنانية ولا للسوريين المؤيدين لمحوره، والذين آواهم في مناطقه إثر سقوط نظام بشار الأسد.
بل شوهدت أرتال منهم تغادر إلى سوريا مجددًا. وبينما فُتحت الأبواب لتسهيل عبور هؤلاء إلى بلدهم في ظل النظام الذي هربوا منه سابقًا، فإنها بقيت مغلقة هذه المرة بوجه النازحين اللبنانيين من بيئة "الحزب".
فقبل أيام، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي حادثة وقعت على مقربة من معبر جوسيه على الطرف السوري من الحدود. إذ تعرّضت حافلات وأشخاص كانوا يعبرون نحو سوريا لهجوم من مجموعة من السوريين، ظنًا منهم أن هؤلاء من النازحين اللبنانيين. قبل أن ينفض المشكل لاحقًا، بعدما تبين أن عابري الحدود هم من المواطنين السوريين.
وبناء عليه، فإن المعبر الذي أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار إضافته من ناحية عكار لسلوك طريق "المشاة" المعاكس باتجاه سوريا، لن يكون متاحًا على الأرجح، سوى لأرتال السوريين الذين غادروا لبنان هربًا من نيران القصف في الأسبوع الماضي.
شعور بالتخلي لدى بيئة "حزب الله"
تحوّلت سوريا التي كانت عمقًا استراتيجيًا لـ "حزب الله" وملاذًا آمنًا لبيئته إذًا، إلى حدّ مغلق. وهذا ما جعل بيئة "الحزب" تحاصر داخل الجغرافيا اللبنانية، سياسيًا وإنسانيًا.
إلا أن المشهد في لبنان يبدو أكثر تعقيدًا. ويرتفع معه منسوب التوتر بين كل جولة حرب وأخرى.
تظهر ترجمة هذا التوتر خصوصًا، في تراجع اندفاعة اللبنانيين بمناطقهم الآمنة، لاستقبال النازحين كما في موجة العدوان السابقة. ووصل الأمر الى حد رفض بعض الأهالي فتح مدارسهم كمراكز للإيواء. بينما عكست مشاهد النازحين الذين حاولوا دخول المدارس بالقوة حالة الضياع التي يعيشها هؤلاء، نتيجة الشعور بالتخلي.
البيئة لا تسهّل تقبّلها
قد يبدو ضيق صدر اللبنانيين بالحروب المتكررة مبررًا، حتى لو قُرئ سلوك رافض المشاركة بدفع الثمن مع من ورطوه بهذه الحروب، كانهيار في الحس الإنساني.
فاللبنانيون عمومًا لم يعودوا قادرين على الفصل بين الخطاب السياسي لـ "حزب الله" ومعاناة بيئته. والبيئة نفسها لا تسهّل هذا الأمر في أغلب الأحيان.
الذاكرة القصيرة لم تُمح بعد. فبعدما فُتحت أبواب القرى التي كانت ترفض توريط لبنان بحرب إسناد غزه أمام النازحين في جولة الحرب السابقة، تفاجأ أبناؤها بأن يردّ البعض معروفهم لدى مغادرة مناطق إيوائهم بالاستفزاز.
"على كعبها" ترجم هذا المشهد في زحلة مثلًا، عندما رفعت من موكب العائدين، راية "حزب الله" الصفراء بوسط المدينة، مع إطلاق للأبواق وإشارات النصر في حرب انتهت بمقتل الأمين العام السابق حسن نصرالله، ومجموعة كبيرة من قيادييه. فما كان من أحدهم سوى أن نزع الراية ورماها بالنهر، في مشهد اختزل محاولة إعادة "المنتصرين" إلى وعيهم، ومحاسبة مسؤوليهم على الأخطاء التي ارتكبت بحق كل اللبنانيين.
البيئة مسؤولة
كان الانطباع السائد لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين يدفعون ثمن مغامرات "حزب الله" في كل مرة، أن قساوة الظروف الإنسانية التي اختبرها النازحون في موجة الحرب الأولى، كافية لتشكل قوة ضغط داخلية تدفع نحو تغيير مساره.
غير أن التطورات الأخيرة قلّصت التفاؤل بمثل هذه التوقعات. فالحرب المتجددة سبقها تجمع جماهيري حاشد في الضاحية الجنوبية على أثر اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وقد شكلت الشرارة الأولى لإعادة توريط لبنان في حرب إسناد جديدة.
النزوح الأول خلال الحرب المتجددة جاء بعد أربعة أيام فقط من بدئها، مع إطلاق "الحزب" صواريخه التي لم تصب هدفًا في إسرائيل.
بينما أعقب موجة تفريغ المناطق الجنوبية كما الضاحية من سكانها، خطاب تصعيدي للأمين العام لـ "الحزب" نعيم قاسم، تمرّد فيه على الحكومة وقرارها الصادر بحضور وزرائه بحظر نشاطه العسكري والأمني. فتفرد مجددًا في قرار الحرب انتقامًا لمقتل خامنئي.
المتاريس المرفوعة بين بيئتين
وسط هذا التناقض، بين إصرار "حزب الله" على الانتحار وهروب بيئته من تداعيات ما جناه عليها، يجد كثير من اللبنانيين صعوبة في تقبّل فكرة أن البيئة نفسها التي تُظهر دعمًا سياسيًا لخطاب "الحزب"، تتوقع في الوقت نفسه أن يحتضنها من تصعّد خطابها السياسي بوجههم.
بينما في نظر البيئة الحاضنة للدولة، يتطلب هدم المتاريس النفسية التي رفعها "حزب الله" ومغامراته بين اللبنانيين أنفسهم، اعترافًا علنيًا بالشرعية، وانصياعًا تامًا لمؤسساتها. وإلا فإن الخشية تبقى من أن تجد بيئة "اللاشرعية" نفسها بلا ملاذ حتى داخل بلدها، تمامًا كما تغيّرت المعادلات في سوريا.