إنهاء الحزب عسكريّاً: أفق جديد للبنان

وفّر "حزب الله" لإسرائيل الذريعة التي كانت تنتظرها منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية لإنجاز عمل لم تنجزه قبل التوصل إلى هذا الاتفاق، وهو إنهاء الحزب في جانبه العسكري، بعدما نجحت في إضعافه إلى حد كبير. ويرى كثر أن الحزب ارتكب خطأ جسيما حتى لو أنه يعتقد بقوة وفي سياق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أن تصعيد الحرب على إسرائيل من لبنان قد يكون أفضل فرصة لتقصير أمد الحرب على إيران وضمان نجاة نظامها، لأنه يفتح بابا جديدا من عدم الاستقرار في المنطقة، علما أنه حتى الآن لم تنجح استهدافات إيران للدول الخليجية في تحقيق أهدافها. يضاف إلى ذلك الاعتقاد أن رفع كلفة الحرب قد يساهم في تخفيف الوطأة على النظام. والخطأ في هذا الاعتقاد يكمن في أن إسرائيل كانت تنتظر بقوة سقوط الحزب في هذا الفخ وعدم تأثير ما أقدم عليه في استراتيجية أميركا وإسرائيل في إضعاف إيران الذي لا يعني حكما ضرب منشآتها العسكرية والأمنية، وصولا إلى اغتيال مرشدها فحسب، بل نزع أوراقها الأساسية، فيما ورقتها الأساسية، أكثر من العراق واليمن، هي في لبنان. ويعود ذلك إلى قدرة إيران عبر الحزب على تفجير الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والدفع إلى الراديكالية، بالإضافة إلى تأثيرها في كل المحيط المباشر للحزب. وإذا تم إضعاف إيران في إيران وليس في المنطقة كذلك، يمكنها دوما اللجوء إلى ورقة "حزب الله"، لا سيما في ظل سعيه الدائم إلى تأكيد وجوده وأرجحيته المؤثرة.

تتوافر راهنا للدولة اللبنانية، ولو على نحو غير مباشر، عوامل إقليمية لا دخل للدولة فيها، من شأنها أن تساعدها على تنفيذ قرارها حظر الجانب العسكري والأمني للحزب. ويعتقد ديبلوماسيون مراقبون أنه إذا أخذ في الاعتبار أن إسرائيل ستعمل على إضعاف الحزب أكثر فأكثر، على نحو يزيد وطأته مقارنة بما قبل اتفاق وقف الأعمال العدائية، وهذا سبب موضوعي جلبه "حزب الله" لنفسه كما للبنان، فإن العامل الآخر الذي يساعد الدولة هو المدى الذي سيبلغه إضعاف النظام الإيراني، بحيث سيؤثر حكما في الحزب ووضعه. وإذا ضعف القرار المركزي للحزب، وهو في طهران، فإن الدولة اللبنانية قد لا تعود تملك الأعذار لعدم المبادرة بقوة في لحظة مناسبة.

ومع أنّ كثرا يعتبرون أن إسرائيل تعاني مع "حماس"، إذ لم تستطع إنهاءها على رغم الحروب الضروس التي شنتها ضدها بحيث لن تستطيع موضوعيا إنهاء الحزب عسكريا، فإن هذه النقطة الأخيرة تفترض ليس إنهاءه عسكريا بالمعنى الحرفي، بمقدار ما تعني عدم إمكان تشكيله تهديدا لإسرائيل بعد الآن، مع الأخذ في الاعتبار وجود دولة لبنانية يتم الضغط عليها لحصر السلاح، وانتهاء وجود سوريا الداعمة للحزب والتي تتيح له امتدادات السلاح، فضلا عن إضعاف إيران كما يحصل راهنا.

الفرصة المطلوبة متاحة، وثمة دعم داخلي سياسي غير مسبوق، إضافة إلى الدعم الشعبي، وسط استياء عارم في بيئة الحزب نفسه من مغامرته الراهنة، ودعم خارجي أعلنت دول عدة توافره للخطوة التي أقدمت عليها الحكومة، مع انتظار مقلق لبدء التنفيذ الذي يمكن أن يوفّر على لبنان انخراطا إسرائيليا أكبر ضده.

مجددا، يسود اقتناع أنه ما لم تبدأ الدولة اللبنانية بتولي الأمور التي أخذتها على عاتقها في قرارها حظر الجانب العسكري والأمني للحزب وملاحقة تجاوزاته، فإن إسرائيل قد تتولى ذلك على نحو متزايد أكثر مما تقوم به الآن، ولكن بأثمان باهظة على الدولة اللبنانية التي تواجه أزمة نزوح غير مسبوقة ووضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا جدا.

ويشير البعض في هذا الإطار إلى مبادرة مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة، من ضمن رد فعله على إطلاق الحزب صواريخ، إلى تأكيد الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل بمشاركة مدنية ورعاية دولية، من أجل تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، وهو أمر أعاد تأكيده رئيس الجمهورية جوزف عون أمام سفراء اللجنة الخماسية، مجدِّدا استعداد لبنان الكامل لذلك. فإذا كان هذا العامل يعدّه الحزب تنازلا كما سبق أن أعلن مرارا، فإنه دفع الدولة اللبنانية إلى ذلك مجددا وبقوة أكبر من السابق، في محاولة ليس لتأكيد المسار الذي اتخذته، بل تطمينا للخارج وضمان دعمه للبنان في هذا الاتجاه.