المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الأربعاء 21 كانون الثاني 2026 00:59:53
"دور قسد انتهى". هي إحدى الجمل التي أطلقها المبعوث الأميركي توم باراك، والتي تحمل أبعاداً كثيرة. يمكنها أن تشكل خلاصة خالصة لكيفية التعاطي الأميركي مع ملفات المنطقة. يُراد لهذا النموذج أن يعمم على دول المنطقة. وكأن هناك من يشير للبنان إلى الاهتداء بالخطوات السورية. موقف باراك يعبّر عن توجه أساسي داخل الإدارة الأميركية، خصوصاً عندما يتحدث عن رفض منطق الانفصال أو الفيدرالية أو التقسيم، وهو في السابق كان قد صرّح بأن نموذج الفيدرالية في منطقة المشرق العربي لم ينجح، لذلك ركز على دمج قوات سوريا الديمقراطية بالجيش السوري والوصول إلى تفاهمات.
حديقة خلفية لواشنطن
ما جرى في سوريا يُراد له أن يسري على لبنان، سواء بما يتعلق بملف السلاح، أو بالتفاهم مع الأميركيين، أو بالوصول إلى اتفاق أو ترتيبات معينة مع إسرائيل. بمعنىً أوضح، فإن الولايات المتحدة الأميركية تريد لمنطقة الشرق الأوسط أن تكون حديقة خلفية لها، بغض النظر إن حصل ذلك عبر تحالفات موضعية مع جماعات وقوى محلية، أو في حال تغيرت الأحوال وأصبحت علاقتها المباشرة وسيطرتها الكاملة قائمة من خلال العلاقات مع الدول، كما حصل في سوريا التي أصبحت لديها علاقات جيدة مع أميركا، وتُحتسب ضمن الفلك الأميركي. وبناء على هذا الاتفاق، تمنح أميركا سوريا الدعم السياسي لتثبيت الحكم أو السلطة، وتعزيز وضعيتها الداخلية والخارجية، مع السيطرة على أرض الموارد والثروات التي ستكون في النهاية على المسار الأميركي نفسه، طالما الأهداف الاستراتيجية الأميركية تتحقق من خلال الدولة، وهذا ما حصل في سوريا بالتحديد.
انتفاء الحاجة إلى الفرع
كانت واشنطن تراهن على قوات سوريا الديمقراطية لمحاربة داعش، والسيطرة على السجون، إضافة إلى التمركز في نقاط استراتيجية في سوريا والسيطرة على حقول النفط والزراعات الأساسية. بعد سقوط نظام الأسد، ووصول الرئيس أحمد الشرع، وبناء علاقة ممتازة مع الأميركيين، أصبحت المصالح الأميركية مضمونة. وما تضمنه "المركزية" تنتفي الحاجة فيه للفرع أو الحالة الانفصالية غير المستقرة. وعليه، أصبحت سوريا من الدول الحليفة في تحالف محاربة الإرهاب، ولا سيما تنظيم داعش. كما أن دمشق تتفاهم مع واشنطن على كيفية إدارة كل ملف النفط الذي سيكون متاحاً للشركات الأميركية في سبيل الاستثمار به، ما يعني الانخراط في المشروع الاستراتيجي الأميركي لتصور المنطقة. والنقطة الأبرز تبقى في مسار العلاقة مع إسرائيل، والتي دخلت سوريا في مفاوضات مباشرة معها على مستوى وزاري عال، تمهيداً للوصول إلى اتفاق ترتيبات أمنية، وربما الوصول لاحقاً إلى اتفاق سلام. وهذا أكثر ما تفضله واشنطن: التعاطي مع طرف واحد قوي. وهو وصف أطلقه ترامب على أحمد الشرع المتفاهِم مع أميركا وأهدافها.
نصائح للبنان
باراك، وغيره من المسؤولين الأميركيين مرّروا رسائل كثيرة للمسؤولين اللبنانيين بضرورة الالتفات لما تقوم به سوريا وتسريع الخطى بالاتجاه نفسه. حالياً، وصل لبنان إلى نقطة مفصلية في ضوء تعطيل مسار الميكانيزم، وسعي إسرائيل إلى رفع مستوى التفاوض والانتقال إلى مستوى وزاري. بحسب المعلومات، فإن عدم تحديد موعد لاجتماع الميكانيزم يرتبط بأسباب عديدة، أبرزها أنه يبقى محصوراً بالجانب التقني، بينما تل أبيب تريد مفاوضات سياسية وديبلوماسية وحول التعاون الاقتصادي. وهنا يُنصح لبنان بخيارات عديدة أبرزها:
*القبول برفع مستوى التمثيل التفاوضي نحو المستوى الوزاري، أو اعتماد نموذج سوريا.
*اختيار مكان آخر للتفاوض خارج مقر الأمم المتحدة في الناقورة، وربما البحث عن دولة ثالثة تجري فيها المفاوضات.
*أن لا يتم حصر المفاوضات بالجانب العسكري أو التقني وتوسيعها للإطار السياسي والاقتصادي.
اتفاق مع إسرائيل
المطلوب أميركياً وإسرائيلياً، هو موقف لبناني علني يلتزم بالوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، بغض النظر عن تسمية هذا الاتفاق، والذي يفترض أن تكون له شروط، أبرزها سحب السلاح بشكل كامل وحصره بيد الدولة، تماماً كما هو العنوان الذي رفعته واشنطن في سوريا، وعبّر عنه توم باراك بوضوح، عندما قال إنه يجب دمج قسد بالجيش السوري، بالإضافة إلى انهاء الحالة الفصائلية. ومن بين الشروط أيضاً الدخول في مفاوضات حول ترسيم الحدود والمنطقة الاقتصادية وغيرها، بينما لبنان يتمسك بضرورة إعادة إعمار الجنوب وعودة السكان.
إحياء لجنة نيسان 1996
سوريا تطالب إسرائيل بالعودة إلى اتفاق 1974. في لبنان، ربما المخرج الوحيد يكون بالعودة إلى هدنة العام 1949، وهي الاتفاقية الوحيدة التي أقرتها السلطات اللبنانية الثلاث بما فيها مجلس النواب. بحسب بعض المسؤولين داخل لبنان وخارجه، فإن هذه الاتفاقية لا تزال صالحة، خصوصاً على أعتاب انتهاء عمل قوات الطوارئ الدولية اليونيفيل، ومغادرتها لبنان، بينما يفترض العمل على إعادة إحياء لجنة مراقبة الهدنة بين لبنان وإسرائيل، في مقابل تجديد فكرة إحياء لجنة مراقبة تفاهم نيسان 1996، في موازاة سعي الأوروبيين لتشكيل قوة أوروبية ونشرها في الجنوب. لكن الأميركيين والإسرائيليين يعتبرون أنه في حال تم الوصول إلى اتفاق، لن تعود هناك حاجة إلى وجود أي قوة خارجية.
فكرة باراك
قبل فترة، صرح باراك قائلاً إنه لا يجب للجيش اللبناني أن يتسلح لقتال إسرائيل، وهو موقف ترجمه كثيرون بأن المطلوب من الجيش هو مواجهة حزب الله وسحب سلاحه. وربما فكر الإسرائيليون بهذا الأمر كثيراً، لكن لبنان لا يمكن أن يقبل بذلك أو يتورط به. وهنا تختلف تماماً التجربة اللبنانية عن التجربة السورية التي واجه فيها الجيش السوري بعمليات عسكرية قوات سوريا الديمقراطية من ريف حلب الشرقي، إلى الرقة ودير الزور وصولاً إلى الحسكة، لأجل فرض وقائع عسكرية من شأنها أن تخدم الوجهة التفاوضية التي أرادتها دمشق لدفع قسد إلى القبول بالشروط المعروضة عليها.
اختلاف لبنان وسوريا
في لبنان، لا يمكن وضع الجيش بمواجهة حزب الله، فهذا ينذر بانفجار كبير. كما أن موازين القوى الداخلية مختلفة جداً. من هنا، تبرز الأفكار العديدة التي تطرحها جهات خارجية حول كيفية تحقيق مسألة الاندماج أو ابتكار صيغة التسوية، وهي الصيغة التي يفترض فيها أن يتم العمل على حصر السلاح بيد الدولة كاملاً، واقتناع حزب الله بهذه الفكرة والعمل على تحقيقها، بناء على تسوية سياسية شاملة. في السياق، هناك من يعود إلى استعراض عروض كثيرة طرحت من قبل على الحزب وتحديداً منذ حرب الاسناد، عندما عُرض عليه تعزيز وضعيته السياسية وانتخاب حليفه رئيساً للجمهورية مع مزايا أخرى، مقابل وقف الحرب، لكنه رفض. بعدها جاءت عروض كثيرة لتسليم السلاح والدخول في حوار جدي حول التركيبة أو الصيغة السياسية، وهذا لا يزال متعثراً حتى الآن. لكن هذه الأفكار لا تزال مطروحة لأجل تجنب المزيد من الحرب أو التصعيد الإسرائيلي ولمنع حصول صدام داخلي.