إن ضُرب "مفاعل ديمونا": 20 ساعة وتصل السحابة الإشعاعية لبنان

مع تصاعد حدة التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي لوحت باستهداف مفاعل "ديمونا" الإسرائيلي أو "مركز شيمون بيريز للأبحاث النووية"، يبرز التساؤل الملحّ حول الثمن البيئي الذي قد تدفعه دول الجوار، وعلى رأسها لبنان. 

يعتبر التخطيط لمواجهة الكوارث الكبرى جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي، وهو ما دفع بـ"الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية" لوضع سيناريوهات تحاكي أسوأ الاحتمالات. "كان سيناريو انفجار مفاعل ديمونا تحديداً هو الأساس الذي بُنيت عليه خطة الطوارئ الإشعاعية الوطنية CBRN؛ كونه يُمثّل تهديداً عابراً للحدود"، يقول الدكتور بلال نصولي، أمين عام الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية، في حديث خاص لـ"المدن". 

ويضيف نصولي أن "CBRN كانت دائماً في صلب نقاشات الأجهزة الأمنية في لبنان"، معتبراً أن "استهداف مفاعل يعمل بقدرة عالية، مثل ديمونا، سيؤدي حتماً إلى كارثة تشبه في تفاصيلها العلمية كارثة تشيرنوبل في العام 1986، حيث نتج الانفجار هناك عن خطأ بشري أدى لانصهار الوقود النووي وتطاير أطنان من المواد المُشعّة وتلوث منطقة قطرها 5 كيلومترات بشكل كامل".

ويطمئن نصولي اللبنانيين حيال مخاطر انفجار مفاعل ديمونا، الذي يبعد عن الأراضي اللبنانية بين 220 و350 كلم خط نار، أنه "بناءً على ثلاثة مصادر مختلفة متخصصة بالبرمجيات ونظم النمذجة، فإن أي تسرّب إشعاعي قد يستغرق أكثر من 20  ساعة للوصول إلى الحدود اللبنانية". 

ويوضح، أن هذه "الجرعات الإشعاعية -في حال وصولها- ستكون تحت السيطرة، ولا تتطلب سوى إجراءات وقائية أولية تعلنها الجهات الرسمية بناءً على قراءات محطات الرصد الإشعاعي المبكر"، وذلك باعتماد حالة السيناريو الأسوأ لكل المتغيرات والخصائص المتعلقة بالمفاعل وبالظروف المناخية. 

ويلفت إلى أن "خطة الطوارئ للحد من مخاطر أي تلوث إشعاعي محتمل وفقاً لسيناريو محاكاة انفجار مفاعل ديمونا قد تم وضعها عام 2013 من لجنة متخصصة تضم أكثر من 15 جهة، وهي جاهزة للتفعيل".

 

التداعيات الصحّية

تتجاوز الآثار الصحية للحادث النووي مجرد الإصابات المباشرة. ويشرح نصولي أن "التلوث الإشعاعي يؤثر على الإنسان بطريقتين أساسيتين؛ الأولى هي التعرض الخارجي الذي يسبب حروقاً إشعاعية، والثانية هي التعرض الداخلي للمواد المشعة عبر التنشق أو الابتلاع".

ويتابع نصولي في وصفه، أنه "عندما تدخل هذه الجسيمات المشعة، وخصوصاً جسيمات ألفا، إلى جسم الإنسان، فإنها تتركز في أعضاء حيوية معينة وتطلق طاقتها في مساحات مجهرية صغيرة جداً"، مما يؤدي -وفق قوله- إلى "تلف الخلايا ورفع احتمالية الإصابة بالسرطان أو حدوث تشوهات في الحمض النووي". كما يحذر نصولي من أن "الخطر ليس إشعاعياً فقط، بل إن "لليورانيوم سمية كيميائية تضر بوظائف الجسم"، مما يجعله خطراً مزدوجاً على الصحة العامة.

 

تلوث بيئي وتشيرنوبل

لا ينتهي التهديد النووي بمرور السحابة الإشعاعية، بل يستوطن التلوث التراكمي في التربة والغذاء. يوضح نصولي أن "المواد المشعة ستنتقل إلى التربة والمياه الجوفية، ومنها إلى المزروعات، ثم إلى الحيوانات عبر اللحوم والحليب، وصولاً إلى الإنسان". 

ويستشهد نصولي بتجربة "تشيرنوبل" في العام 1986 في مدينة بريبيات الأوكرانية، بحيث "لا تزال بعض المناطق هناك محظورة حتى اليوم"، وقد تم رفض شحنات من الحليب واللحوم والقمح من تلك المناطق، وصلت إلى لبنان، لسنوات طويلة، بسبب احتوائها على نسب عالية من السيزيوم". وانطلاقاً من هذا الواقع، يؤكد نصولي أن دور الهيئة في لبنان ينطلق بفحص دقيق للمواد الغذائية الأساسية كحليب الأطفال والطحين في الموانئ، لضمان خلوها من أي نشاط إشعاعي غير طبيعي.

الهيئة تنسّق وتتبادل المعلومات بشكل يومي مع "الشبكة العربية للرصد الاشعاعي المبكر" والتي تعمل تحت مظلة "الهيئة العربية للطاقة الذرية"، كما تتابع المستجدات بالتعاون مع "المركز الدولي للطوارئ" في "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وفقاً لمندرجات اتفاقيتي الابلاغ المبكر وتقديم المساعدة في حالات الطوارئ الإشعاعية المبرمتين مع الوكالة منذ العام 1997.

 

لغز ديمونا 

يعود تاريخ "مركز شيمون بيريز للأبحاث النووية" في ديمونا إلى أواخر الخمسينيات، حيث أُرسيت قواعده في إطار تحالف استراتيجي سري مع فرنسا. وقد دخل المفاعل حيز التشغيل الفعلي في مطلع الستينيات، ليصبح منذ ذلك الحين المنشأة الأكثر حماية وسرية في الشرق الأوسط، والمحرك الأساسي لما يُعرف بـ"المشروع النووي الإسرائيلي". 

ظل مفاعل ديمونا لغزاً مغلقاً حتى عام 1986، حين قام الفني السابق في المفاعل، مردخاي فعنونو، بكسر حاجز الصمت وتسريب صور وتفاصيل دقيقة لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية. هذه التسريبات لم تكشف فقط عن وجود مفاعل لإنتاج البلوتونيوم، بل أكدت للعالم أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تتجاوز بمراحل التقديرات الاستخباراتية السابقة.

 

نظام الترصد الإشعاعي

لدى "الهيئة" شبكة إنذار إشعاعي مبكّر ترصد الجرعات الإشعاعية في الهواء على مدار الساعة، تضم عشرين محطة رصد مثبّتة في مواقع وثكنات تابعة للجيش اللبناني منذ العام 2013، وتغطي الأراضي اللبنانية كافة، حيث تشكل منظومة الرصد الاشعاعي المبكر حجر الأساس لأية خطة طوارئ إشعاعية.

نظام الإنذار المبكر يعتمد على "كاشف غاما" (Gamma Detector) بحساسية عالية جداً، وبمجرد حدوث أي طارئ يرتفع مستوى الرصد فوق المعدل الطبيعي، ويقوم النظام بالتسجيل والإرسال فوراً. وبحسب نصولي "في العام 2011 وأثناء وقوع كارثة "فوكوشيما" في اليابان، لم يكن النظام قد رُكب بعد، ولو كان موجوداً لرصدنا الإشعاع بدقة، لكننا اعتمدنا حينها على جهود الشباب في بعض المواقع. حادثة فوكوشيما أعطتنا دفعاً قوياً لضرورة وجود استعداد رسمي للطوارئ غير الاعتيادية، فوضعنا هذا النظام".

هذا النظام يغطي كافة الأراضي اللبنانية من دون استثناء، ويرصد أي خطر يأتي من خارج الحدود أو من داخلها. وفق نصولي، فلو "قام شخص ما بحمل مادة مشعة وتفجيرها في منطقة ما محدثاً تلوُّثاً محلياً، فإن النظام سيكشفه". وفي حين "تمتلك الأردن 30 محطة، فإننا في لبنان، كنا نحتاج فعلياً لـ9 محطات فقط، لكن بوجود 20 محطة أصبحنا نغطي كل متر مربع من البلاد".

تجدر الإشارة إلى أنه مع تجاوز المفاعل لعمره الافتراضي الذي يقدر بـ40 عاماً، بدأت تظهر تساؤلات ملحة حول السلامة الإنشائية للمنشأة، التي تعمل منذ أكثر من ستة عقود. تشير تقارير علمية وتسريبات استخباراتية إلى وجود "شقوق" في قلب المفاعل المصنوع من الألمنيوم.