إهانة البطريرك وعودة "حزب الله" إلى الثمانينيات؟

بالأمس استمعت إلى تقرير صوتي أرسلته امرأة جنوبية إلى قريب لها، تشكو "شباب الحزب" الذين قرروا التمترس بالقرب من منزلها في قريتها الجنوبية، وهي كانت قررت مع عائلتها، وعدد من الأقرباء عدم النزوح، لا لسبب يتعلق بـ"الصمود"، بل لفقر الحال، ورفضهم الإقامة في خيمة على الرصيف. ولما طلبت من المقاتلين الابتعاد عن المنازل لئلا تتعرض لخطر القصف الإسرائيلي الوحشي، سمعت كلاماً نابياً، وأن حياتها وعائلتها، وأملاكهم، ليست أغلى من دماء المقاومين، "وإنو إذا مش عاجبنا الوضع فينا نفلّ". هكذا حزمت أمتعتها، وغادرت باكية. تقول "إن جيشاً من الغرباء بات يسيطر على القرى والبلدات، لا نعرفهم ولا يعرفوننا. ولا يهتمون لأمرنا". وهذه حال قرى وبلدات كثيرة. حتى إن أحدهم يروي كيف منع من زيارة "الجبانة" (المدافن) لوضع زهرة على قبر والدته، "لأن الممسكين بالقرار على الأرض لا يعرفونني ولا أعرفهم". 

ولا يختلف واقع الأرض كثيراً عن صفحات التواصل الاجتماعي ومجموعات "الواتساب"، إذ يظهر تقييد كبير، وتضييق على التعبير الكلامي أشدّ وقعاً من المدافع. وتتضاعف الضغوط لمنع أي تعبير حرّ، أو حتى شكوى من الوضع، قبل بلوغ حدّ رفض الحرب من أساسها، والسؤال عن الهدف منها، وعما آلت اليه أوضاع الناس من قرار باتوا يرونه متهوراً وفي غير محله، وخدمة لإيران التي لم تبادر إلى مساندة الحزب كما يجب.

أما التفلت المقابل، فليس واضحاً إذا كان مقصوداً أو نتيجة ضعف الإمساك بالقرار. كلاهما ممكن. قيادة الحزب متلهية بأمور كثيرة مرهقة، وهي تواجه كمّاً من التحديات الصعبة المواجهة. لكنها يمكن أيضاً أن تطلق العنان لبعض الإعلاميين والمؤثرين والناشطين، لإطلاق حملات في غير اتجاه يمكن أن تساهم في رفع المعنويات وإظهار الأوضاع على غير حقيقتها، بل إلهاء الناس بها. 


آخر فصول "التفلت" عبر التواصل الاجتماعي، الحملة المقذعة على البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، وإظهاره بأشكال مختلفة مسيئة. الخلاف مع البطريرك على مجمل المواقف قديم. والتطاول عليه من وقت إلى آخر ليس جديدا. لكن بلوغ هذه المرحلة من الإهانة يظهر الحالتين السابقتين اللتين تحدثنا عنهما. فإما تفلت مدروس وموجه، وفيه نوع من الترهيب الجماعي، إذ لم يصدر أي موقف من الحزب يدين هذه التصرفات ويضع حداً لها، وإما تفلت حقيقي خطير، لأنه يذكرنا بالحزب زمن ما بعد التأسيس، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، زمن الشيخ صبحي الطفيلي (الذي حوله البعض رمزاً معارضاً بعد ذلك) حين كان التنظيم الجديد يفتقد الهرمية المركزية الواضحة، والممسكة بالتفاصيل. 

في الحالتين، تكشف الحملة على البطريرك (والتي يقول منظموها إنها ردة فعل على تقرير متلفز يهين الشيخ نعيم قاسم، وهو تقرير لا علاقة للبطريرك به من قريب أو بعيد) أن "حزب الله" يسلك مساراً جديداً قد يكون من الصعب دراسته وتقييمه في قلب المعركة، لكن المؤكد أن الذي تغيّر ما بعد الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله، كبير وكبير جداً، ويذكرنا بمرحلة الثمانينيات من القرن الماضي.