ابن المدير يختلس نحو مليوني دولار في "الميدل ايست"

سلّم موظف في شركة طيران الشرق الأوسط "الميدل إيست" (MEA) نفسه إلى القوى الأمنية، معترفاً باختلاس أموال من صندوق الشركة، في قضية بدأت كخلل محاسبي داخلي وسرعان ما تحوّلت إلى ملف قضائي ثقيل، تتداخل فيه الاعتبارات القانونية، والضغوط الإدارية، والشبهات حول حماية محتملة "لرؤوس كبيرة".

من هو المتهم وكيف بدأت القصة؟

وفق معلومات خاصة لـ"المدن"، فإن الموظف يعمل في قسم المبيعات ضمن أقسام شركة الميدل إيست في مطار رفيق الحريري الدولي، ويُدعى (ر.ج.)، وهو نجل المدير المالي للشركة (م.ج.). وتشير المعطيات إلى أن المبلغ المختلس قارب مليوناً و800 ألف دولار أميركي.

وتعود بداية القضية إلى شهر آب الماضي، حين مُنح الموظف صلاحية استثنائية تخوّله قبض ثمن التذاكر ورسوم الوزن الزائد مباشرة من الزبائن، على أن يقوم يومياً بتسليم "الغلة" إلى الصندوق المركزي. إلا أن ما حصل، وفق التحقيقات الأولية، هو أن الموظف كان يُسلّم المبالغ منقوصة، من دون أن يُكشف أمره على مدى نحو أربعة أشهر.

ولم ينكشف الخلل إلا في كانون الثاني 2026، حين تبيّن وجود فجوة مالية كبيرة في الحسابات، ما دفع رئيس مجلس إدارة الشركة محمد الحوت إلى طلب تحويل الملف إلى فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي. عندها، بادر (ر.ج.) إلى تسليم نفسه، وبدأ التحقيق معه.

تعتيم وضغوط داخلية

تشير مصادر متابعة إلى أن التحقيق جرى وسط ضغوط كبيرة لمنع تسريب القضية إعلامياً، وقد أُوعز إلى موظفي "الميدل إيست" بعدم الحديث عن الملف أو تداوله. كما استدعى فرع المعلومات حتى الآن زميلين للموظف هما (أ.ح.) و(ل.س.)، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة وسط شائعات داخل الشركة عن تورّط "أسماء كبيرة" أو وجود تغطية إدارية غير مباشرة.

المعركة القانونية: جنحة أم جناية؟

إلى جانب المسار الأمني، تدور معركة موازية حول التكييف القانوني للجريمة. فبحسب مصادر قانونية، هناك ضغوط جدّية لتصنيف القضية ضمن إطار الجنحة لا الجناية، انطلاقاً من كون شركة "الميدل إيست" ليست مؤسسة عامة بالكامل، بل شركة مساهمة تجارية، حتى وإن كان مصرف لبنان يملك الحصة الأكبر فيها.

في هذا السياق، يوضح المحامي والمستشار القانوني ربيع بركات في حديث لـ"المدن" أن قانون العقوبات اللبناني يميّز بوضوح بين إساءة الأمانة واختلاس المال العام.

أولاً: إساءة الأمانة

ينظمها قانون العقوبات في المواد 670 وما يليها. وتتحقق عندما يُسلَّم شخص مالاً منقولاً على سبيل الأمانة (وديعة، وكالة، إجارة، عارية استعمال، رهن أو لتنفيذ عمل معين)، ثم يقوم باختلاسه أو تبديده أو التصرف به خلافاً للغاية التي سُلّم من أجلها. "العنصر الجوهري هو أن التسليم حصل بصورة مشروعة، ثم انقلبت يد الحائز إلى يد غير مشروعة"، يقول بركات. والعقوبة، هي الحبس من شهرين إلى سنتين مع غرامة، مع إمكان التشديد في حالات خاصة.

ثانياً: الاختلاس بالوصف الأشد

وهو جرم مختلف بنيوياً، ويقع عندما يستولي موظف عام على أموال أو أشياء موضوعة تحت يده بسبب وظيفته. ويُعد من الجرائم الواقعة على الإدارة العامة، ويُصنّف كجناية.

ولدى السؤال، هل أن موظف MEA هو موظف عام؟ يوضح بركات أن قانون العقوبات يعتمد مفهوماً واسعاً للموظف العام، يشمل كل من يعمل في إدارة عامة أو مؤسسة عامة أو جهة تؤدي خدمة عامة. لكن شركة "طيران الشرق الأوسط" هي شركة مساهمة تجارية، حتى لو كانت مملوكة بغالبيتها من مصرف لبنان. والقاعدة الفقهية العامة تقول إن العامل في شركة مساهمة لا يُعد موظفاً عاماً، إلا إذا ثبت أنه، يمارس مرفقاً عاماً بصورة مباشرة، أو مُنح صفة رسمية أو سلطة عامة بنص قانوني خاص.

ويضيف بركات "لا يمكن الجزم بأن مستخدم MEA يعد موظفاً عاماً في كل الحالات. التكييف يتوقف على طبيعة مهامه، صفته الوظيفية، وعلاقته القانونية بالدولة".

التكييف الأقرب في هذه القضية

بحسب المعطيات الحالية:

      •     إذا كان المال المختلس هو مال الشركة:

الوصف الأقرب هو إساءة أمانة (المادة 672 تعاقب المستخدم أو الأجير الذي يختلس ما سُلّم إليه بسبب العمل).

      •     أما إذا ثبت أن المستخدم يحمل صفة موظف عام أو يؤدي خدمة عامة مفوضة رسمياً:

يمكن أن ينطبق وصف اختلاس المال العام كجناية.

أكثر من قضية فردية؟

ما بدأ كاختلاس فردي قد يتحول إلى اختبار حقيقي لشفافية واحدة من أكبر الشركات المرتبطة بالدولة اللبنانية. فالسؤال اليوم لا يقتصر على: من سرق؟

بل يمتد إلى:

      •     من سهّل؟

      •     من غضّ النظر؟

      •     ومن يسعى اليوم لتخفيف الوصف الجرمي؟

ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم: أين كانت الرقابة الداخلية، وأين كان دور مصرف لبنان، خلال أربعة أشهر كاملة، بينما كانت الأموال تتقلص تدريجياً من صندوق الشركة من دون أن يلحظ أحد أي خلل؟ أما السؤال الجوهري فهو: إذا استطاع موظف صغير اختلاس هذا المبلغ، فكم يكون حجم ما يختلسه كبار الفاسدين في مواقع ومسؤوليات أكبر؟