المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: شربل مخلوف
الأربعاء 2 نيسان 2025 12:26:59
نصّ اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أدى إلى وقف الحرب الإسرائيلية في 27 تشرين الثاني 2024، على انسحاب الجيش الإسرائيلي من جميع المناطق التي دخل إليها في لبنان. لكنَّ تل أبيب أبقت قواتها في خمس مرتفعات استراتيجية تتيح لها الإشراف على مساحات واسعة من جانبي الحدود، كما واصلت شنّ غارات على جنوب لبنان وشرقه، قائلةً إنها تستهدف مواقع عسكرية لـ"حزب الله"، ومتّهمةً الدولة اللبنانية بعدم تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق، الذي ينص على تفكيك ترسانة الحزب العسكرية وإبعاده عن حدودها.
غير أن تل أبيب أرادت توسيع نطاق استهدافاتها، فقامت بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت مرتين خلال أسبوع. وعلى رغم الضمانات التي قُطعت بعدم استهداف العاصمة بيروت، أسقطت تل أبيب هذه المعادلة، ولم تستثنِ العاصمة من اعتداءاتها. يشير هذا التطور إلى احتمال الدخول في منحى تصعيدي جديد لا يزال من غير الواضح كيف سيتعامل معه كلٌّ من لبنان الرسمي و"حزب الله".
يقول العميد المتقاعد خالد حمادة لـ"المركزية": "الكلام عن تغيير المعادلة أصبح من الماضي، فلم تعد هناك أي معادلة بعد توقيع هذا الاتفاق في 27 تشرين الثاني، إذ أصبح الاتفاق ذاته هو المعادلة الجديدة. في السابق، كان "حزب الله" وإيران يتحدثان عن وجود توازن ردع مع إسرائيل، لكن الحرب الأخيرة أثبتت غياب هذا التوازن، وبعد الخسائر التي مني بها الحزب والدمار الذي لحق بلبنان، أصبح الاتفاق هو القاعدة الجديدة".
ويضيف: "الاتفاق ينص على تجريد "حزب الله" من سلاحه وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ما يعني أنه أسقط المعادلة السابقة وأرسى أسسًا جديدة لأمن الحدود في لبنان".
وعن احتمال أن يكون الاتفاق مقدمة للتطبيع، يجيب حمادة: "التطبيع ليس نتيجة لهذا الاتفاق، فقبول "حزب الله" به لم يكن ليحصل لولا الخسائر الكبيرة التي تكبّدها. التطبيع مسار بدأ منذ سنوات، وتبنّاه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وهو ليس مطروحًا على لبنان فقط بسبب المواجهات مع إسرائيل، بل هو جزء من مشروع أميركي شامل للمنطقة، يهدف إلى إنهاء الحروب وتثبيت وجود إسرائيل عبر اتفاقيات مع دول الجوار. المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تتعرض لضغوط للتطبيع، فهل كانت في حالة حرب مع إسرائيل؟ الإمارات طبّعت دون أن تكون هناك حرب بينها وبين إسرائيل. إذًا، التطبيع مسار منفصل عن الاتفاق".
في ما يتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الداخل اللبناني، يرى حمادة أنها "وسيلة ضغط على الحكومة اللبنانية، تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض تطبيق الاتفاق. فحتى الآن، الاتفاق قائم لكن لا أحد يلتزم به ولا أحد يريد إسقاطه، ما يمنح إسرائيل الفرصة لمواصلة اعتداءاتها، مستغلة عدم تطبيقه من قبل الدولة اللبنانية".
ويضيف: ليس أمام الدولة خيار سوى القبول بالاتفاق، بينما يحاول "حزب الله" الإيحاء بأنه كيان مستقل عن الدولة، في حين أنه يقف خلفها ويضغط عليها في الاتجاه المعاكس. هذه الضغوط تهدف إلى تأزيم الوضع السياسي في لبنان، لكنها لا تؤثر على الواقع الميداني".
ويتابع: "اليوم، إسرائيل تتمتع بتفوق عسكري كبير، و"حزب الله" غير قادر على شن أي عمل عسكري بعد الخسائر التي تكبّدها. أما إيران، فتستثمر في موقف "حزب الله"، وتحاول القول إن العمليات العسكرية لم تحقق أمن إسرائيل، وبالتالي يجب أن يمر تنفيذ الاتفاق عبر طهران، إذ تسعى إلى إعادة إنتاج نفسها في المنطقة عبر أذرعها، سواء "حزب الله" في لبنان أو الحوثيين في اليمن".
وعن سبب عدم مبادرة الدولة إلى تنفيذ بند نزع السلاح بعد توقيع الاتفاق، يقول حمادة: "الجميع يعلم أن الرئيس نبيه بري كان المفاوض الوحيد باسم لبنان في هذا الاتفاق، بناءً على موافقة "حزب الله". وبعد التوقيع، بدأت تفسيرات متعددة للاتفاق، حيث يقال إن نزع السلاح يقتصر فقط على منطقة جنوب الليطاني، ما أربك الدولة اللبنانية وأعطى إسرائيل حججًا إضافية لتكثيف اعتداءاتها على لبنان".
يختم: "لا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا بقرار حكومي يأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي تواجه لبنان، ويحدد آلية واضحة لتنفيذ الاتفاق. الولايات المتحدة لا تبدو معنية بالتفكك السياسي اللبناني، وهي مستمرة في ممارسة الضغوط لفرض حلول جديدة. وبالتالي، لم يعد أمام الدولة اللبنانية سوى اللجوء إلى المسار الدبلوماسي لوضع خطة واضحة لنزع سلاح "حزب الله"، وإلا فإن الأمور قد تتجه نحو مزيد من التصعيد العسكري، كما رأينا في الضاحية الجنوبية خلال الأيام الماضية".