استدراج الاحتلال ومخاطر الفوضى والصدام الأهلي

الخطر الأكبر في الحرب الإسرائيلية وعمليات التوغّل في قطاعات جنوب الليطاني هو التفريغ السكاني وتهجير الأهالي شمالاً، لينضموا إلى النازحين من الضاحية الجنوبية لبيروت. بات هناك أكثر من مليون لبناني نازح، يشكلون ضغطاً هائلاً في الداخل وبين البيئات الطائفية المختلفة، إذ تتوسّل إسرائيل سياسة التهجير لإحداث احتقان سياسي وطائفي وتوتر قد يأخذ البلاد نحو الفوضى ويهدد بنيته الاجتماعية، خصوصاً في ظل الانقسام اللبناني الذي يؤجج الخلاف ويؤسس لمواجهة أهلية خطيرة.

خطر تهجير الأهالي من جنوب الليطاني وحتى شماله، على ما تهدّد إسرائيل بإخلاء القرى في أقضية الزهراني وصيدا، والمترافق مع توغّل قواتها كتمهيد لاحتلال طويل الأمد بلا حياة، إذا تمكنت من تنفيذ خطتها، يصعّب التحرك لتأسيس مقاومة من دون ناس، فيكرّس منطقة عازلة على مساحات واسعة من الجنوب، ويرتّب تغييراً ديموغرافياً في الداخل، ما يطرح لدى اللبنانيين تساؤلات عن كيفية مواجهة الواقع الذي تُدفع إليه البلاد بعدما زجّها "حزب الله" في كرة النار الإقليمية وورّط لبنان واستدرج الاحتلال المتحفّز للاعتداء من أجل تنفيذ خطته لتغيير الوقائع.

لا يبدو لبنان قادراً اليوم على صوغ رؤية موحدة لمواجهة خطر الحرب، وسط خلافات ومقاربات متناقضة. والأمر مفهوم لناحية أن لبنان الرسمي طرح عبر رئاسة الجمهورية مبادرة للتفاوض المباشر، ولو تحت النار، ما دام لا خيارات للدولة إلا هذا المسار لتخفيف الخسائر ثم الإنقاذ، علّ هذه الوجهة تفتح كوة لوقف الحرب، فيما يصر الثنائي الشيعي على العودة إلى اتفاق وقف النار قبل المفاوضات. وينسحب الانقسام الداخلي على دعوة جهات لبنانية إلى تنفيذ قرارات الحكومة بالقوة، وأن يتولى الجيش سحب السلاح حتى لو أدى ذلك إلى الصدام. هذه التناقضات قد تؤدي إلى مزيد من الخلل وتأخذ البلد إلى الانهيار والفوضى.

والحال أن المأزق يكمن في العجز عن صوغ موقف موحّد ينقذ البلاد مما يرسم لها من خطط لتغيير صورتها ووجهها وحتى التلاعب ببنيتها جغرافياً، مع ما يحمله الأمر من أبعاد طائفية وسياسية. والواضح أن هناك تباعداً وهوة بين الدولة و"حزب الله"، وبين مكوّنات لبنانية غالبة والحزب نتيجة قراره إسناد إيران وجرّ لبنان إلى الحرب، لا بل استدراجه الاحتلال ليشن حرباً بلا هوادة، لا تهدد بنية الحزب والطائفة الشيعية فحسب، إنما الكيان اللبناني ووجوده. فإذا كان الحزب يخوض معركة انتحارية ووجودية ويصر على ربط لبنان بإيران إلى النهاية، فإنه يأخذ معه البلد إلى المجهول.

والمفارقة أن "حزب الله" فتح معركة الإسناد مع أنه يعرف أن إسرائيل كانت تنتظر ذريعة لاحتلال الجنوب، وها هو يخوض معركته حتى النهاية بلا تقدير للجدوى، ولا يعطي الدولة أي فرصة لتسهيل مسار التفاوض على قاعدة توافق داخلي جامع.

لا شك في أن نتائج الحرب ستغيّر موازين في الداخل وتحدّد معادلات جديدة، إلا أن الثابت حتى الآن إذا طالت الحرب الإسرائيلية، بصرف النظر عن صمود "حزب الله" أو تمكن إسرائيل من إلحاق هزيمة به، أن البلد قابل للانفجار، خصوصاً إذا عجزت الدولة عن إعادة النازحين إلى قراهم ومنازلهم، فيما الاحتلال قد يفرض واقعاً جديداً يمكنه من إملاء شروطه على لبنان، وإطباق الوصاية عليه. وهنا يكمن الخطر، إذ إن الجنوب سيعاني الاحتلال لأمد غير منظور، بعدما ساهم الجنوبيون الذين بقوا في قراهم إبان الاحتلال السابق في التحرير، وهو ما نفتقده اليوم بفعل المغامرات الانتحارية، والخطر الذي يحدق بلبنان الكيان وتركيبته وصيغته.