"استراتيجية لبنانية" نادرة لدى أميركا؟

  يكشف الاستهلاك الإعلامي "الممانع" الخاصرة الرخوة للفريق المناهض للخيار التفاوضي للدولة اللبنانية، والذي لا يزال يجرجر ذيول الإنكار والارتهان في التعويل على "مذكرة تفاهم" ولدت ميتة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، من خلال هجمات تصاعدية على رئاسة الجمهورية إلى حدود الشخصنة الهابطة إبان زيارة الرئيس جوزف عون لواشنطن.

كان الأمر ليكون فولكلوريا "مسلياً" في ظروف هادئة وشبه طبيعية، ولكن في الحالة الراهنة ثمة دلالات لكل شيء، بما فيها المغالاة في شخصنة المعركة السياسية وتبريد الجبهات الإعلامية حتى مع سائر الخصوم في الداخل. ويضيء ذلك بقوة على مفارقة تواكب تصعيد حملات "حزب الله " على رئيس الجمهورية وما تصفه بأنه "سلطة العار"، أسوة بتسميات بائدة من أزمان الثمانينيات تحديداً، وهي حالة الترجّح، بل التمزق لأذرع إيران عموما و"حزب الله " خصوصاً التي تشكل امتحاناً قاسياً وخطيراً له راهناً، فيما عادت إيران لتواجه الموجة الجديدة من الحرب الأميركية عليها بوتيرة تنذر بمزيد من غرقها في أكلاف تعريض أكتافها وتهديد الملاحة الدولية في معبر هرمز ودول الخليج العربي والشرق الأوسط لكل أخطار استباحاتها وغرورها. 

في هذه الفترة الحرجة، ترانا أمام "حزب الله" الذي يمارس ذروة تقيته، فلا هو يجاري "إسناد ايران" بالكامل كما فعل سابقا بقصف مبرمج على إسرائيل وحتى في المناطق الجنوبية التي تحتلها القوات الإسرائيلية، ولا يعترف بـ"ممالأة" المفاوض اللبناني ومعايشته، علّ المفاوضات على المسار اللبناني – الإسرائيلي - الأميركي تؤدي إلى انسحابات إسرائيلية مبرمجة ولو وفق آلية المناطق التجريبية. 

ويتعين الاعتراف في هذا السياق، بأن معالم استراتيجية أميركية "نادرة" بدأت تبرز حيال اعتزام الإدارة الأميركية فعلاً وقولاً وممارسة، الفصل النهائي بين ما كان يسمى المسار التفاوضي الإيراني، باعتبار أن كل المؤشرات والوقائع تثبت شبه استحالة ثبات أي اتفاق أميركي - إيراني قبل الإجهاز التام أو السقوط والانفجار من الدخل للنظام الإيراني وما تبقى منه، والمسار اللبناني.

هذه الإستراتيجية الأميركية برزت خصوصاً وتحديداً من خلال منع إدارة الرئيس دونالد ترامب إسرائيل من الانخراط في موجة العمليات الكثيفة الجديدة التي تشنها المنظومة البحرية والجوية الأميركية على إيران، بما أدى من جملة الأهداف إلى قطع الطريق على الاستباحة الإيرانية مجددا للبنان من خلال تفعيل ذراعها "حزب الله " ميدانيا بقصف إسرائيل. طبعا لواشنطن أهداف أخرى أبعد مدى من لبنان، لكنّ هدفا مركزيا يبدو كأنه صار في الشوط الأخير من التحقق، بفصل الابتزاز الإيراني وتبديده لهذه الجهة.

وإن سئل "حزب الله" حاليا لأيّ مسار يتبع، ترانا نجده هائما في الفراغ، إلا إذا كان يخطط لافتعالات داخلية إرهابية في لبنان يفترض أنه صار يدرك تماما أن زمنها المجنون والمغامر قد ولّى، وأكبر ضحاياها وأولهم، إن تكررت، سيكون الحزب وبيئته. أما الجانب الآخر مما نفترض أنه مطالع استراتيجية أميركية نادرة للبنان، فبرز في الإصرار على توقيت مدروس لإطلاق عمليات المناطق الافتراضية وإعلانه من وزارة الخارجية الأميركية عشية استقبال الرئيس ترامب للرئيس اللبناني.

هذه الرمزية، وإن كانت لا تبدد العقبات المنتظرة في طريق تنفيذ سلس لآليات المناطق التجريبية، تعكس جدية أميركية استثنائية. بطبيعة الحال، يعنى لبنان كله ببلورة استراتيجية أميركية ثابتة وطويلة المدى له، وهو أمر لم تكتمل معالمه ولو بانت إيجابيات نادرة.