المصدر: اللواء
الكاتب: زياد سامي عيتاني
الجمعة 28 آب 2026 07:47:25
لم يعد احتمال فتح قناة تفاوض أميركية مباشرة مع «حزب الله» مجرد تكهن سياسي تسعى التسريبات الدبلوماسية لاصطياده بين دهاليز العواصم، بل تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى ملف علني يتصدّر جدول الأعمال السياسي والإقليمي. فقد انتقل هذا الطرح المتشابك من إشارة بالغة الدلالة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، إلى توضيحات ومواقف صادرة عن المبعوث الأميركي الخاص توم براك، وصولاً إلى انفتاح لافت ومحسوب عبر القيادي في حزب الله محمود قماطي. غير أن المحطة الأكثر حساسية تمثلت في التصريح الصريح والمباشر للسفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، الذي وضع المسألة للمرة الأولى في إطارها الإجرائي الحازم عندما أعلن جهاراً: «نتفاوض مع حزب الله إذا كان لديه شيء ليقدمه».
• تصريح دار الفتوى: التحوّل من التواصل إلى التفاوض
هذه العبارة، التي أطلقها السفير عيسى لدى خروجه من لقاء مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى، لم تكن مجرد زلة لسان دبلوماسية أو محاولة لملء الفراغ الإعلامي، بل شكّلت تطوراً نوعياً في أدبيات السياسة الخارجية الأميركية تجاه لبنان والمنطقة. فالخطاب لم يعد يتوقف عند حدود إمكانية التنسيق غير المباشر أو التواصل عبر قنوات ثالثة، بل استخدم صراحة فعل «التفاوض»، واضعاً في الوقت نفسه شرطاً حازماً يتطلب أن يكون لدى الحزب ما يقدمه على الميزان، مع تحذير واضح بأن العملية «لن تكون مجرد تبادل للزيارات أو احتساء للقهوة، بل عملية تستهدف الوصول إلى نتائج عملانية وملموسة».
تزامن هذا الموقف الدبلوماسي مع حراك أميركي مكثف في المنطقة يهدف إلى إرساء قواعد جديدة لاتفاق الإطار، حيث تسعى واشنطن لاختبار مدى مرونة المكونات السياسية والميدانية في لبنان قبيل الانتقال إلى مراحل التنفيذ الفعلي للترتيبات الأمنية، مما يعطي لتصريح السفير بعداً تنفيذياً مرتبطاً بجدول زمني محدد.
• مرونة البيضاوي ومحورية الشرعية اللبنانية
تستند هذه الحركة الدبلوماسية المستجدة إلى الأرضية التي أرساها الرئيس ترامب خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزاف عون في واشنطن. يومها، أعلن ترامب جليّاً استعداده التام للتحدث مع «حزب الله» شريطة أن يطلب منه الرئيس اللبناني ذلك رسمياً. وبذلك، تعمّد البيت الأبيض تثبيت موقع الدولة اللبنانية والمؤسسة الرئاسية بوصفها القناة الحصرية والممر الإجباري لأي حوار مفترض، متجنّباً إسباغ أي شرعية سياسية مستقلة على الحزب بصفته طرفاً ندّاً للدولة، ومحافظاً في الوقت ذاته على هامش حركة براغماتي يُتيح معالجة العقد الميدانية المستعصية.
إن ربط واشنطن لأي حوار بموافقة بعبدا يعكس إدراكاً أميركياً لدور المؤسسة العسكرية والرئاسة في ضبط الإيقاع الميداني، خصوصاً مع بحث تفاصيل خريطة انتشار الجيش اللبناني وتعزيز قدراته في مناطق جنوب الليطاني لتغطي الفراغ الأمني وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بالتوازي مع الانسحابات المطلوبة.
• معضلة الغياب وإشارات قماطي التكتيكية
عقب ذلك، جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك لتسلّط الضوء على المعضلة الهيكلية التي تعترض المقاربة الأميركية برمّتها. فقد أشار براك بوضوح إلى أن غياب «حزب الله» وإيران عن طاولة التفاوض الرسمية يُعقّد صياغة التفاهمات، مشدّداً على أن واشنطن تتفاوض حكماً مع الحكومة اللبنانية والشرعية الرسمية فقط. لكن القراءة المتعمقة لكلام براك كشفت المأزق العملي الذي يواجه واشنطن: كيف يمكن هندسة اتفاق أمني وإقليمي يتصل بسلاح حزب الله والترتيبات الميدانية في الجنوب في ظل غياب الطرف المحتكر لهذا السلاح عن طاولة البحث؟
وعلى الضفة الأخرى، جاء رد «حزب الله» عبر القيادي محمود قماطي بصيغة تكتيكية مدروسة بعناية؛ إذ أعلن أن الحزب لا يغلق الباب نهائياً أمام احتمال التواصل المباشر مع الأميركيين، محيلاً القرار إلى مقتضيات المصلحة الوطنية وتقديرات القيادة. ورغم محاولات التوضيح والتأطير اللاحقة، إلّا أن الشحنة السياسية الأساسية لكلام قماطي أدت غرضها؛ إذ بعثت برسالة مفادها أن الحزب جاهز لاستكشاف حدود الواقعية الأميركية واختبار مدى جدية واشنطن في التعاطي مع الواقع الميداني بعيداً عن الشروط المسبقة.
• العرض الأميركي وتبادل الأثقال التفاوضية
أما الموقف الأخير للسفير عيسى من دار الفتوى، فقد جاء ليحدد العقدة الجوهرية وطبيعة العرض الأميركي؛ فالمفاوضات، من المنظور الأميركي، ليست منبراً للبحث في مستقبل النظام السياسي اللبناني أو لتقديم اعتراف رسمي بنفوذ الحزب الإقليمي، بل هي آلية محددة الأهداف ترتكز على ملفات أمنية وجغرافية حاسمة: السلاح، الترتيبات الحدودية جنوباً، وتنفيذ القرارات الدولية لبسط سيادة الدولة. وقد صاغ عيسى هذه المعادلة ببراغماتية حادة حين تساءل: إذا كان لبنان يطالب إسرائيل بالانسحاب التام، فلماذا لا يُطالب الحزب بتسليم سلاحه؟ موضحاً أن ما يُعد على الورق يحتاج إلى وقت وآليات لتنفيذه على الأرض، ومثبتاً معادلة التوازي بين الانسحاب الإسرائيلي والخطوات اللبنانية المتعلقة بالسلاح.
تتزامن هذه الطروحات مع المباحثات الدبلوماسية الدورية التي تجريها واشنطن مع أطراف اللجنة الخماسية والوسطاء الدوليين، حيث يبرز تقاطع أميركي - فرنسي حول ضرورة تقديم حوافز اقتصادية وضمانات لإعادة الأعمار في لبنان، مقابل خطوات ملموسة تثبت حصرية السلاح بيد المؤسسات الأجهزة الأمنية الرسمية.
غير أن المعضلة الأساسية تكمن في تباين الرؤى بين الطرفين حول جوهر التفاوض:
- واشنطن تنظر إلى الحوار المباشر كمدخل لإنجاز تفكيك البنية العسكرية للحزب، وتسليم السلاح للجيش اللبناني، وتأمين الحدود الميدانية وفق الترتيبات الدولية.
- حزب الله يعتبر سلاحه جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع بوجه إسرائيل، ولا يرى فيه ملفاً منفصلاً يمكن التنازل عنه دون الحصول على ضمانات كبرى تشمل الانسحاب الإسرائيلي الشامل ووقف الاعتداءات وضمانات السيادة الوطنية.
• الدولة كمظلة وحيدة للتفاهم المثلث
أمام هذا التجاذب، تبرز المحورية الاستراتيجية لدور الرئيس جوزاف عون والمؤسسات الرسمية. فالاشتراط الأميركي المتكرر بأن يتم الحوار عبر بوابة الدولة يهدف إلى صيانة الإطار القانوني الدولي والالتزامات التشريعية بواشنطن، بينما يوفر للدولة اللبنانية فرصة الاستفادة من هذه النافذة الدبلوماسية لتأكيد حضورها كطرف أصيل يمتلك المفتاح الرسمي للحل.
تأتي هذه الديناميكية في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية لتفعيل لجنة الخماسيّة الدولية وتوفير الغطاء العربي والدولي لخطط التنمية والتعافي الاقتصادي، ما يجعل ربط مسار التفاوض بالرئاسة والشرعية أداة لحشد الدعم الدولي للبنان ومنع عزله أو تخطيه في ترتيبات الإقليم.
يمكن بناءً على ذلك قراءة هذا المسار عبر سلسلة من الحلقات المتكاملة: ترامب يفتح باب التواصل المشروط، عون يملك المفتاح الرسمي، براك يحدد المعضلة الميدانية، قماطي يبدي المرونة الاستكشافية، والسفير عيسى يضع الشروط العملية لمقايسة السلاح بالانسحاب.
• مستقبل المسار: بين الصفقة المباشرة والتفاهم الضمني
لكن هذه الديناميكية لا تعني إطلاقاً أن طاولات الحوار المباشر قد شُكلت بالفعل؛ فلا توجد حتى اللحظة معطيات موثوقة تؤكد حدوث لقاءات مباشرة أو فتح قنوات رسمية معلنة. فالواقع يشير إلى أن الطرفين يمارسان عملية «استطلاع بالنار الدبلوماسية»؛ حيث تختبر واشنطن سقف تنازلات الحزب تحت ضغط الواقع الميداني، بينما يسعى الحزب لفك الحصار السياسي واختبار مدى قدرة الإدارة الأميركية على إلزام إسرائيل بالانسحاب والضمانات.
وهنا يطرح موقف السفير عيسى سؤالاً محرقاً على قيادة الحزب: في حال رفض الخوض في ملف السلاح، ما هو البديل العملي الذي يمكن تقديمه لتأمين الاستقرار الجنوبي وإنجاز الترتيبات الحدودية؟
إن المسار الأكثر ترجيحاً في المدى القريب لن يكون «صفقة كبرى ومباشرة» بين واشنطن وحزب الله، بل محاولة لصياغة تفاهم ثلاثي معقد غير معلن النتائج: تُمسك فيه الدولة اللبنانية بدفة التفاوض الرسمي، وتتولى واشنطن الضغط والضمانات الدولية، بينما يُستطلع موقف الحزب ويُضمّن تعهده عبر القنوات غير المباشرة. وإذا ما قدر لهذه الاتصالات أن تتطور وتنتقل من أروقة التصريحات إلى القنوات الفاعلة، فإن لبنان سيكون أمام تحوّل تاريخي ينقله من مفاوضات إدارة الأزمات ووقف الحرب، إلى مفاوضات رسم ملامح النظام السياسي والأمني لمرحلة ما بعدها.