استهداف صور رسالة ضمنية إلى بري: تهجير "اليونيفيل" وضرب العيش المشترك

فجأة استفاق الجيش الإسرائيلي على مدينة صور في جنوب لبنان، بعدما كان حيّدها جزئياً منذ مطلع آذار الماضي، ليهدد ساكنيها طالباً منهم إخلاءها، وقد أعلن الخميس أنه بدأ بضرب بنية تحتية لـ"حزب الله" حولها.

أضاف البيان الذي أُرفق بخرائط حُدّد عدد من المباني فيها باللون الأحمر، "أنتم موجودون بالقرب من مبان يستخدمها حزب الله الإرهابي. حرصاً على سلامتكم عليكم إخلاؤها فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني".

وأفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" اللبنانية الرسمية، بشنّ مجموعتين من الغارات الإسرائيلية على مدينة صور ومنطقة تقع إلى شرقها صباح الخميس، استهدفت إحداهما مبنى وتسببت باندلاع حريق.

ورغم الضغوط والقصف، ظلت صور ملاذا لعشرات آلاف النازحين من مناطق وبلدات محيطة، الأمر الذي حمل بلديتها أمس على الطلب من النازحين الانتقال منها إلى المدينة الرياضية في بيروت. 

صور ليست كأيّ مدينة أخرى، فعلى الرغم من قيمتها التاريخية بوصفها مدينة فينيقية تضم الكثير من الآثار القيّمة، شكلت حاضرة الإمام موسى الصدر التاريخية أيضاً، ففيها انطلقت "حركة المحرومين" (حركة أمل لاحقاً).

وترتبط "اليونيفيل" بمدينة صور في علاقة وثيقة منذ أواخر السبعينيات، لأن المدينة تُعد من أهم المراكز اللوجيستية والإدارية للقوة الدولية العاملة في جنوب لبنان.

وقد اعتُبر تحييدها في وقت سابق تحييداً للرئيس نبيه بري المفاوض على غير جبهة، قبل أن يحدد موقفاً رافضاً لكل تفاوض مباشر مع إسرائيل. أضف إلى ذلك أن ضرب صور يعجّل في "تهجير" القوة الدولية التي باتت محاصرة داخل مراكزها غير الآمنة.

والمدينة العريقة تضم مطرانيات عدة لا تزال تشكل مركزاً للعيش المشترك والتفاعل، وهي وجهة سياحية أساسية في الجنوب، اذ أثر وجود "اليونيفيل" فيها على أنماط العيش والسهر والبحر. وقد آثر الإمام الصدر المحافظة على الوجه التفاعلي الإنساني للمدينة، وتمت المحافظة على هذا النهج. ولا يزال مطارنة يقيمون فيها حتى الساعة تحت القصف والتهديد. 

تتمتع صور بأهمية سياسية خاصة في لبنان والمنطقة، نابعة من تداخل التاريخ والجغرافيا والدور الاجتماعي والسياسي، ويمكن تلخيصها بالنقاط الآتية:

-    تُعد إحدى أهم مدن الجنوب اللبناني، وتمثل ثقلاً سكانياً وسياسياً كبيراً، ما يجعلها حاضرة في أيّ معادلة تتعلق بالجنوب أو بالوضع اللبناني الداخلي.

-    اكتسبت المدينة بعداً سياسياً كبيراً خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان (1978–2000)، إذ كانت من المناطق المتأثرة مباشرة بالصراع مع إسرائيل. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، تحولت صور إلى رمز سياسي وإعلامي لفكرة "التحرير والمقاومة".

-    تشكل المدينة ومحيطها إحدى الساحات الأساسية لنفوذ حركة "أمل"، ما يمنحها وزناً مباشراً في التوازنات السياسية والطائفية اللبنانية، خصوصاً داخل البيئة الشيعية.

-    شهدت صور وجوداً مهماً للمخيمات الفلسطينية، مثل الرشيدية والبص، ما جعلها مرتبطة تاريخياً بالقضية الفلسطينية وبالتطورات الأمنية والسياسية المرتبطة بها.

-    يرتبط اسم الإمام الصدر بصور ارتباطاً عميقاً، حتى إن المدينة تُعد إحدى أهم قواعد حضوره الديني والاجتماعي والسياسي في لبنان.

عندما قدم الإمام الصدر إلى لبنان في أواخر الخمسينيات، استقر في صور وتولى رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في المدينة، ومنها بدأ بناء حضوره داخل الطائفة الشيعية وفي الحياة اللبنانية العامة.

تهجير صور 
يشكّل أيّ تهجير واسع لمدينة صور خطورة كبيرة ليس فقط إنسانياً، بل سياسياً وأمنياً واقتصادياً ورمزياً، وترى إسرائيل أن لذلك تداعيات كبيرة، تضاف إلى هدفها بإفراغ الجنوب من أهله وجعله منطقة خالية من السكان بمثابة الأرض المحروقة:

-    سيؤدي تهجير صور إلى فوضى إنسانية ونزوح داخلي كبير، بسبب أعداد النازحين إليها. 

-    ضغط هائل على بيروت والمناطق الأخرى.

   -  تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

   -  فرض واقع أمني جديد قد يؤثر على انتشار الجيش اللبناني و"اليونيفيل".

   - يرفع مستوى التوتر السياسي داخل الطائفة الشيعية بسبب تحميل أنصار "أمل" مسؤولية التهجير والهدم على "حزب الله".

-  يعمّق الانقسام الداخلي اللبناني حول الحرب والسلاح والدولة.

- يولّد ضغوطاً على القوى السياسية الكبرى، خصوصاً حركة "أمل" و"حزب الله".

لهذا، فإن تهجير صور لا يُنظر إليه كحدث محلي فقط، بل كتحول قد يغيّر توازن الجنوب اللبناني بأكمله.