الخميس 19 أيار 2022

3:29 م

اشتعال الأزمات من جديد: حان وقت إقالة سلامة؟

المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان

اجتاز اللبنانيون الانتخابات النيابية من دون عقد الكثير من الآمال بانعكاسات إيجابية على المستوى الاقتصادي. فقبل بضعة أيام من إجرائها يوم الأحد الماضي، بدأ الدولار بالتحرّك صعوداً ليتخطّى الـ30 ألف ليرة بعد الانتخابات. وهذا الصعود أشعَلَ الأزمات التي هدأت وتيرتها قليلاً في السابق، كأزمة البنزين والطحين والدواء. أما مصرف لبنان المفترض به تأمين الدولارات لضبط السوق، فيستقيل تدريجياً من هذا الدور. ما يطرح جدوى التمسّك بحاكمه رياض سلامة، خصوصاً في ظل الحديث عن احتمال انفلات الأسعار وتجدّد الأزمات، في حال تأخّرَ تشكيل الحكومة وتعطّل التفاوض مع صندوق النقد الدولي.

الأزمة الثلاثية
عدد كبير من محطات الوقود لا يزال يقفل أبوابه بسبب عدم تسلّمه المحروقات من الشركات المستوردة، التي بدورها تنتظر إفراج البنك المركزي عن دولارات الاستيراد المؤمَّنة وفق منصة صيرفة. وبسبب التأخير، يرتفع سعر المحروقات، حسب جدول تركيب الأسعار الذي تصدره وزارة الطاقة تباعاً، من دون تأمين المحروقات في السوق.
السبب نفسه يضغط على المطاحن، التي لا تمدّ الأفران بالكميات اللازمة من الطحين لانتاج الخبز. وبغضّ النظر عن جدلية استفادة الأفران من الطحين المدعوم لانتاج أصناف الخبز والكعك والحلويات، وبيعها بأسعار مرتفعة، وحجب الطحين عن انتاج الخبز العربي المدعوم، فالأزمة واقعة. والحل لدى وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي. على أن النتيجة النهائية هي استمرار رفع أسعار الخبز.
أما الدواء، فما زال مقطوعاً، رغم وعود وزير الصحة فراس الأبيض بحلحلة الوضع وتأمين كميات كبيرة من الأدوية للسوق، وتحديداً أدوية الأمراض المزمنة والسرطانية.

الحكومة والحاكم
التعامل مع المصاعب اليومية وانعكاسات ارتفاع أسعار الدولار، هو من صلب عمل الحكومة الحالية التي تعجز عن ايجاد الحلول. ولذلك، فإن اللبنانيين على موعد مع تأزّم الوضع في حال تأخّر تشكيل الحكومة الجديدة، وهو أمر متوقَّع.

على أنَّ الأزمات الثلاث الأساسية ليست الوحيدة التي تضغط على الحكومة المقبلة، والبلد بشكل عام، بل يحظى التفاوض مع صندوق النقد ومع حملة سندات اليوروبوند، بموقع متقدّم من النقاش. ذلك أن البلد لا يحتمل التأخير في التفاوض، لا مع الصندوق ولا مع الدائنين.
"كلّها تحديات أمام الحكومة في ظل بلد يعيش حالة فوضة نقدية ومالية نادرة، سبّبت المشاكل للناس"، يقول الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، جورج قرم، الذي يرى في حديث لـ"المدن"، أنه رغم تأزّم الوضع "تتصرّف الدولة وكأن لا وجود لقيود على الإنفاق". ويذكّر قرم بالصناديق والمجالس التي أهدرت مليارات الدولارات باسم التعويضات للناس، ومنها صندوق المهجّرين ومجلس الجنوب وغيرهما. وبالتوازي مع تصرّف الدولة "يواصل حاكم مصرف لبنان تعاطيه مع الأزمة بالطريقة نفسها التي زرعت الفوضى في النظام النقدي والمالي".
ورغم تقاطع الحكومة والحاكم في اعتماد سياسات هدّامة، إلاّ أن إمكانية التغيير على مستوى الحكومة أسهل منه على مستوى الحاكم. وبالتالي، يراهن قرم على إمكانية تشكيل حكومة قادرة على تسريع عملية التفاوض مع صندوق النقد "رغم أنني لست من أنصار وصفات الصندوق"، يقول قرم، الذي لا ينفي التأثيرات الإيجابية لنجاح التفاوض مع الصندوق. إذ من شأن النجاح أن "يطمئن الأوساط الدولية تجاه الصحة المالية والنقدية، وتالياً جذب أموال الاستثمارات".
وفي مقابل الآمال بالحكومة الجديدة، وإلى حين تشكيلها "سيستمر النزف الحاصل، لأن خلق الفوضى المالية والنقدية وتعدّد أسعار صرف الدولار مستمر في ظل وجود الحاكم نفسه". والمطلوب بالنسبة إلى قرم "خلق ضغط من قبل الرأي العام لتغيير الحاكم، كي لا نبقى تحت رحمة قراراته ومناوراته".

مع أنه مطلوب، إلاّ أن الوصول إلى قرار بتغيير حاكم مصرف لبنان، ليس سهلاً، نظراً لانعكاساته على المستوى الاقتصادي، فضلاً عن ارتباط القرار بالسياسات الخارجية، لناحية تلقّي الحاكم دعماً خارجياً، وتحديداً من الولايات المتحدة الأميركية. إلى جانب الغطاء السياسي الداخلي المؤمَّن عبر رجال الدولة والاقتصاد، وعلى رأسهم رئيسا مجلس النواب نبيه برّي والحكومة نجيب ميقاتي، الذي يُروَّج أنه حظي بدعم الحاكم قبيل تشكيل حكومته، عبر ضخ سلامة لنحو 1 مليار دولار في السوق لتهدئة سعر الدولار، وإظهار ميقاتي بصورة الرجل المنقذ.
وصعوبة تغيير الحاكم يوازيها صعوبة التوصّل سريعاً لاتفاق مع صندوق النقد، والذي في حال حصوله، لن ينتج عنه أكثر من 4 مليارات دولار غير كافية لمواجهة حجم الأزمات التي نغرق بها. وعليه، ليس مبالغة القول بأن استمرار اشتعال الأزمات أمرٌ منتَظَر، وتهدئتها ليست سهلة.