الانتخابات الأميركية والإسرائيلية: لبنان خارج رهانات التغيير

تفصل أيام قليلة بين الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني. لكن بالنسبة إلى لبنان، لا يبدو أن الاستحقاقين سيقودان إلى تبدل في الاتجاه العام للسياسة الأميركية أو الإسرائيلية. فالنظرة إلى حزب الله ودوره العسكري، ومبدأ حصر السلاح بيد الدولة، باتا من الثوابت في مقاربة واشنطن، فيما بات "منع إعادة بناء قدرات الحزب" من ثوابت المقاربة الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول، كما هي الحال مع التعامل مع القوى المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.

في واشنطن، لن يكون دونالد ترامب موضع الانتخابات. سيبقى في البيت الأبيض، فيما يتقرر ميزان القوى داخل الكونغرس بمجلسيه. خسارة الجمهوريين مجلس النواب ستعني رقابة أقوى على الإدارة وصعوبة أكبر في تمرير بعض الموازنات والتمويلات، فيما ستضيف خسارة مجلس الشيوخ قيوداً أخرى على هامش حركة البيت الأبيض. لكن من الصعب أن تقود أي من هذه النتائج إلى تبدل في السياسة الأميركية الخارجية عامة وتجاه لبنان خاصة.

التجربة الأميركية تعطي مؤشراً واضحاً. فمن باراك أوباما إلى جو بايدن، مروراً بولاية ترامب الأولى، تبدلت السياسة تجاه إيران بين الاتفاق النووي و"الضغط الأقصى" ومحاولة العودة إلى التفاوض. أما في لبنان، فبقيت العناوين الأساسية متقاربة، دعم سيادة الدولة، تنفيذ القرار 1701 والقرارات الدولية ذات الصلة، رفض وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة، استخدام العقوبات ضد حزب الله وشبكاته، والاستمرار في دعم المؤسسات الرسمية. حتى أوباما، بالتزامن مع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وقّع قانون منع التمويل الدولي لحزب الله. وبايدن، رغم اختلافه الكبير مع ترامب في مقاربة طهران، لم يغير الموقف الأميركي من سلاح الحزب.

من هنا، فإن نتيجة الانتخابات النصفية يمكن أن تؤثر في هامش ترامب أكثر مما تؤثر في أصل السياسة. فإذا خسر الجمهوريون الكونغرس، تصبح الحروب الطويلة والتمويلات العسكرية الكبيرة أكثر كلفة سياسياً، خصوصاً في ظل المواجهة مع إيران. لكن ذلك لا يعني أن واشنطن ستعيد النظر في مقاربتها لحزب الله أو في مطلب حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وهي عرابة اتفاق الإطار.

إسرائيل: التغيير لا يعني سياسة مختلفة

الصورة أكثر وضوحاً في إسرائيل. انتخابات 27 تشرين الأول قد تعيد بنيامين نتنياهو أو تنتج حكومة مختلفة، لكن أبرز منافسيه لا يقدمون سياسة مغايرة جذرياً تجاه لبنان وحزب الله.

غادي آيزنكوت يقدم مثالاً واضحاً. فرئيس الأركان السابق انتقد نتنياهو في حزيران لأنه قبل، وفق قوله، تقييد العمليات ضد حزب الله بجنوب لبنان، واعتبر أن على إسرائيل الحفاظ على "حرية العمل" ضد الحزب في جميع الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت.

هذا لا يعني أن آيزنكوت ونتنياهو متطابقان. الخلافات بينهما كبيرة في إدارة الحرب، والعلاقة مع واشنطن، والسياسة الداخلية وطبيعة الائتلاف المقبل. لكن عندما يصل النقاش إلى لبنان، تضيق المسافة. وحتى نفتالي بينيت ويائير لابيد انتقدا نتنياهو في مراحل من الحرب من موقع المطالبة بموقف أكثر تشدداً تجاه حزب الله.

ما بعد 7 تشرين الأول رسّخ مقاربة أوسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية تتجاوز نتنياهو. فالاحتلال الإسرائيلي لمناطق في الجنوب مستمر، كما تستمر العمليات داخل لبنان، ولا تظهر في مواقف القوى المنافسة لرئيس الحكومة إشارات إلى أن تبدل الحكم سيقود إلى الانسحاب أو إلى التخلي عن حرية الحركة العسكرية.

لذلك، لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية خياراً بين سياستين متعارضتين تجاه لبنان. هي انتخابات بين قوى تختلف على ملفات داخلية وعلى إدارة الحرب والعلاقة مع الولايات المتحدة، فيما تبقى المقاربة الأمنية للبنان متقاربة. وإلى أن تتغير الشروط الإسرائيلية المتعلقة بسلاح حزب الله وترتيبات الجنوب، لا توجد مؤشرات إلى أن تغيير الحكومة وحده سيؤدي إلى إنهاء الاحتلال أو وقف العمليات داخل الأراضي اللبنانية.

لبنان: الانتخابات لا تغيّر أصل المعادلة

وهنا تظهر حدود الرهان اللبناني على الاستحقاقين. فملف حزب الله لم يعد محصوراً بوجوده جنوب الليطاني أو بتنفيذ تقني للقرار 1701. المقاربة الأميركية والإسرائيلية باتت تتناول البنية العسكرية للحزب ككل، وإمكان إعادة تسلحه، وعلاقته بإيران، ووجود قرار عسكري خارج سلطة الدولة.

لذلك يبقى الرهان على نتائج الانتخابات محدوداً. خروج نتنياهو، إذا حصل، لا يعني تراجع إسرائيل عن منع إعادة "بناء قدرات حزب الله"، كما أن خسارة الجمهوريين مجلساً أو المجلسين لا تعني انتقال واشنطن إلى قبول المعادلة التي سبقت الحرب.

الفروق، إذا ظهرت، ستكون في الأدوات والإيقاع. واشنطن تملك العقوبات والضغط السياسي والمالي والدبلوماسي، ويمكن أن تشدد استخدامها أو تخففه وفق الظروف. أما إسرائيل فتملك أداة الضغط العسكري المباشر، ولا تظهر حتى الآن مؤشرات إلى أن حكومة مختلفة ستتخلى عن حرية الحركة داخل لبنان أو تفصل الانسحاب عن ملف سلاح حزب الله. وقد تختلف واشنطن وتل أبيب على توقيت الضغط وحدوده وكيفية إدارة الملف، لكن ليس على الاتجاه الأساسي.

لهذا، فإن انتخابات تشرين الأول وتشرين الثاني ستحدد شكل المرحلة المقبلة وليس اتجاهها. فتبدل الإدارات الأميركية لم يغيّر الثوابت المتعلقة بسلاح حزب الله، ومواقف المعارضة الإسرائيلية لا تشير إلى أن خروج نتنياهو سيؤدي إلى تنازل في هذا الملف. وقد تتبدل الأدوات ومستوى الضغط وتوقيته، فيما يبقى العنوان المطروح على لبنان واحداً، حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.