"الباب الدوّار".. هكذا يُدير "حزب الله" لعبة التنازلات الميدانية جنوب لبنان

يكشف مركز "ألما" الإسرائيلي للدراسات والأبحاث عن إستراتيجية أمنية وعسكرية تعتمدها ميليشيا حزب الله، لإدارة التنازلات الميدانية في جنوب لبنان، بشكل يظهرها في ثوب الملتزم بالقرارات الدولية أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، فيما تحافظ على النواة الصلبة لوجودها العسكري في مختلف المناطق الجنوبية.   

وفي أحدث تقرير صادر عن مركز "ألما" المتخصص في الجوانب الأمنية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، تكشف الدراسة عن ملامح مرحلة جديدة من إدارة الصراع تقودها ميليشيا حزب الله، عبر هندسة أمنية قائمة على مفهوم "سُلّم التنازلات الممنهجة"، وفق تعبير الدراسة.  

وتهدف هذه المناورة الذكية إلى الاستجابة الظاهرية للضغوط الدولية والمحلية المتزايدة لإنفاذ الترتيبات الحدودية، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني، دون التفريط بالبنية الصلبة التي تشكل جوهر الردع العسكري للجماعة المسلحة. 
إدارة الضغوط الدبلوماسية
ويؤكد التقرير أن المستجدات الراهنة في جنوب نهر الليطاني، تضع المشهد السياسي والعسكري اللبناني والإسرائيلي أمام اختبار حقيقي حول طبيعة الانكفاء الذي ينفذه حزب الله في المنطقة، وفق مدونة التزاماته العسكرية المضمنة في تفاهمات وقف إطلاق النار في لبنان. 

وفي الوقت الذي تسعى فيه الأطراف الدولية إلى تأكيد نجاح الترتيبات الأمنية عبر رصد أعداد المواقع واستقراء المقرات المتروكة، تُشير المعطيات الميدانية والتحليلات المتقاطعة – التي حصلّها وجمعها مركز "ألما"- إلى أن الميليشيا تتعامل مع هذه المرحلة بمنطق "إدارة المخاطر والتكيف الإستراتيجي". 

وفي تفكيكها لهذه المنظومة الأمنية – أي منظومة إدارة المخاطر والتكيف الإستراتيجي-، يرى التقرير أن الميليشيا لم تذهب نحو صدام مباشر مع المؤسسة العسكرية اللبنانية التي تحظى بإجماع وطني جارف، بل اختارت إفساح المجال للجيش لتثبيت نقاطه، وإبراز مكاسبه أمام الرأي العام والمجتمع الدولي، بما يمتص الضغوط السياسية، ويحول دون أي احتكاك داخلي غير محسوب العواقب.

ويقر "ألما" أن هذه المرونة الشديدة التي تبديها الميليشيا، تنطلق من تقييم دقيق للأوضاع المحلية، وتقسيم مرحلي للبنية التحتية العسكرية الممتدة في القرى الحدودية والأودية.

حيث تنقسم ترسانة ميليشيا حزب الله إلى طبقات متفاوتة الأهمية من حيث القيمة القتالية والقدرة على الاستبدال، الأمر الذي يمنح القيادة العسكرية للحزب قدرة عالية على التضحية بالأصول الثانوية والهامشية في سبيل توفير الغطاء والحماية للقدرات الإستراتيجية، والتجهيزات النوعية. 
سُلّم التنازلات الثلاثي
وتشير الدراسة إلى أن الترسانة العسكرية لحزب الله، بالإمكان تقسيمها إلى 3 أقسام: صغرى هامشية، ومتوسطة ذات أهمية نسبية، ومركزية كبرى ذات أهمية مطلقة. 

وبحسب التقرير، تتجسد الطبقة الأولى في هذا السُلّم في الأصول الهامشية والمستكشفة، وهي المواقع الصغيرة، وأبراج الاستطلاع الميدانية، والمخازن اللوجستية الفرعية التي تعرضت إما للكشف الضمني أو للتدمير الجزئي خلال جولات التصعيد السابقة. 

وبالنسبة لهذه الطبقة، تتنازل الميليشيا عن هذه النقاط بسهولة، وتترك للجيش اللبناني مهمة السيطرة عليها، مشكّلة بذلك انطباعاً جلياً بالتعاون والتسهيل، ومحققة مكاسب سياسية ودعائية دون تكبد أية خسارة عملياتية تُذكر. 

وفي كثير من الأحيان، تحتوي هذه المواقع على تجهيزات بسيطة يمكن استعادتها أو تعويضها عبر الترتيبات التكتيكية المعتادة.

أما الطبقة الثانية، فتشمل مرافق الدعم اللوجستي المتوسطة، مثل: مستودعات الذخيرة التكتيكية، وشبكات الأنفاق القصيرة، ومرابض الإطلاق الميدانية، ومقار الصيانة. 

ووفق التقرير، تعتمد الميليشيا تكتيك "التفريغ قبل التسليم"، إذ يتم نقل المنظومات الحساسة والأسلحة النوعية إلى مواقع خلفية أو بديلة، ثم تُسلّم الموقع "أطلالاً مُفرغة" للجيش اللبناني. 

ويتيح هذا النهج إظهار الالتزام بإخلاء النقاط الأمنية، مع الاحتفاظ الصارم بالقدرة التسليحية، وتوفير إمكانية إعادة استغلال هذه المنشآت مستقبلاً ضمن ما يُعرف في الأدبيات الأمنية بآلية "الباب الدوار".

في المقابل، تقف الطبقة الثالثة والأخيرة من هذا السُلّم كخط أحمر حاسم ترفض الميليشيا المساس به تحت أي ظروف؛ إذ تضم هذه الطبقة مراكز القيادة والسيطرة المحصنة، وشبكات الأنفاق الإستراتيجية العميقة، ومخازن الصواريخ الدقيقة، والمنظومات النوعية. 

وتشكل هذه البنية التحتية "الهيكل العظمي" والقوة الصلبة التي تراهن عليها الميليشيا للحفاظ على قدرتها القتالية والاستمرار في معادلة الردع، ولضمان إعادة بناء قواتها وتنسيق عملياتها التكتيكية حال حدوث أية مواجهة مستقبلية.

وفي خلاصة التقرير، يشير "ألما" إلى أن المقاربة التحليلية لهذا الواقع تؤكد أن المشهد الجنوبي اللبناني يمر بمرحلة إعادة تموضع ذكية، فميليشيا حزب الله تمنح الأطراف الأخرى صورة للالتزام والانسحاب، متنازلة بذلك عن الهوامش ومحتفظة بالجوهر والنواة الصلبة. 

وبذلك، تظل توازنات القوة القائمة تحت الأرض أكثر تعقيداً مما تقترحه البيانات الرسمية والأرقام المعلنة، مما يضع مستقبل الترتيبات الأمنية أمام رهانات مفتوحة تتوقف أساساً على مُخرجات التحولات الإقليمية والدولية المقبلة.