البوريفاج تحت الجرافات… مبنى يغيب وذاكرة تبقى

مع بدء أعمال هدم مبنى فندق البوريفاج في عين المريسة، يختفي أحد أبرز المعالم التي ارتبطت بمحطات متناقضة من تاريخ لبنان الحديث. فالمبنى الذي شُيّد في خمسينيات القرن الماضي ليكون عنوانًا لازدهار بيروت السياحي، تحوّل لاحقاً إلى أحد أكثر الرموز حضورًا في الذاكرة اللبنانية، بعدما ارتبط خلال سنوات الوصاية السورية بمقر الاستخبارات السورية في لبنان. وبين هذين الوجهين، تختصر قصة البوريفاج جانبًا من التحولات السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد على مدى عقود.

افتُتح الفندق عام 1956، في ذروة ما عُرف بالعصر الذهبي لبيروت، حين كانت العاصمة ترسخ مكانتها مركزًا ماليًا وسياحيًا وثقافيًّا في المنطقة. وعلى الواجهة البحرية لعين المريسة، استقبل شخصيات عربية وأجنبية ورجال أعمال وسياحًا، قبل أن يجد نفسه بعد عامين في محيط أحداث عام 1958 التي شهدها لبنان.

ومع انتهاء تلك الأزمة، عاد البوريفاج إلى نشاطه الطبيعي، وظل من الفنادق البارزة في العاصمة حتى اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975. وخلال السنوات الأولى من الحرب، استقبل، شأنه شأن عدد من فنادق بيروت، مراسلين أجانب وصحافيين قدموا لتغطية النزاع. إلا أن استمرار المعارك وتراجع الحركة السياحية أديا تدريجيًا إلى توقف نشاطه، قبل أن يخرج نهائيًّا من القطاع الفندقي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

لكن نهاية الفندق لم تكن نهاية المبنى، بل بداية المرحلة التي جعلت اسمه راسخًا في الذاكرة الجماعية للبنانيين.

ففي أواخر الثمانينيات، أصبح البوريفاج مقرًا للاستخبارات السورية في لبنان، ليرتبط اسمه بمرحلة هيمنت فيها الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية والعامة. وخلال تلك السنوات، ارتبط المبنى في أذهان كثير من اللبنانيين بملفات التحقيق والاعتقال واستدعاء المعارضين، في ظل النظام الأمني اللبناني السوري المشترك الذي حكم البلاد حتى عام 2005.

وتوثق شهادات عدد من الموقوفين السابقين ما جرى داخل المبنى خلال تلك المرحلة. ومن بينها شهادة "سليم"، وهو اسم مستعار لأستاذ جامعي في الحقوق والعلوم السياسية عُرف بمعارضته للوصاية السورية، والذي روى أنه استُدعي إلى البوريفاج في تشرين الأول 2002، حيث تعرّض، بحسب إفادته، لأساليب تعذيب قاسية، بينها تعليقه بحبل لساعات طويلة بحيث لم يكن قادرًا على الارتكاز إلا على أطراف أصابع قدميه. وتمثل هذه الشهادة واحدة من روايات عديدة خرجت من المبنى، فيما بقيت روايات أخرى مجهولة، أو ارتبطت بملفات مفقودين لم يُكشف عن مصيرهم حتى اليوم.

لهذا، لا يُنظر إلى البوريفاج باعتباره مجرد مبنى أُزيل من المشهد العمراني، بل باعتباره شاهدًا على مرحلة لا تزال تثير انقسامًا سياسيًا وتحمل جراحًا إنسانية لم تندمل. فملف المفقودين والمخطوفين، الذي ارتبط جزء منه بتلك الحقبة، لا يزال مفتوحًا، كما أن كثيرًا من العائلات ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها.

قد يختفي البوريفاج اليوم تحت الجرافات، لكن زوال المبنى لا يعني انتهاء الأسئلة التي ارتبطت به. فالأماكن قد تُهدم، أما الذاكرة فلا تُمحى بالإسمنت، بل تبقى حاضرة ما دامت الحقيقة غير مكتملة، والعدالة مؤجلة، وملفات الماضي تنتظر إقفالها على أسس من المحاسبة والإنصاف.