التاريخ يُنصف "14 آذار": "الحرس الثوري" على خطى الأسد

تحل اليوم الذكرى الـ 21 لثورة الأرز، حينها طاف أقصى طوفان شعبي، في وجه الاحتلال الأسدي للبنان ونظامه الأمني الخاضع له. لم تكن تلك الانتفاضة وليدة اللحظة، أو نتيجة أحداث سياسية وأمنية توالت مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري أو قبله مع المعارضة السياسية التي قادها الشارع المسيحي بشكل خاص.

تلك الحركة الاستقلالية، تعود جذورها ومنابعها إلى نضالٍ عميق عُمّد بالدماء والتضحيات عمره مئات السنين. في السياق التاريخي، هي امتداد لصلابة البطاركة يوحنا مارون، دانيال الحدشيتي، جبرائيل حجولا، اسطفان الدويهي، الياس الحويك ونصرالله صفير، وأيضًا المفتي حسن خالد والإمام محمد مهدي شمس الدين. فيها شرارة من نزعة فخر الدين والمقدمين ويوسف بيك كرم ومعاركهم الاستقلالية. هي نفسٌ من نفس كميل شمعون، بيار الجميّل، رياض الصلح، شارل مالك، مصطفى جحا، فؤاد أفرام البستاني وغيرهم من قادة سياسيين ومفكرين... إنها انتفاضة تراكمية تكوّنت عبر التاريخ، وضع فيها كل جيلٍ مدماكًا، ليجمعهم على مختلف انتماءاتهم وثقافاتهم ومفاهيم زمانهم قاسم مشترك يختصر كينونة لبنان.

في المقابل، إن تظاهرة الثامن من آذار التي نظمها "حزب الله" وحلفاؤه لشكر "سوريا الأسد" قبل أسبوعٍ من الرابع عشر من آذار 2005، عبّرت عن خط يناهض المسار السيادي التاريخي. هي امتداد للاحتلالين الأسدي والفلسطيني والأيديولوجيات العابرة للحدود والكيانات كالقوميات الناصرية والعربية والسورية، رجوعًا إلى العثمانيين والمماليك والعباسيين وغيرهم، رغم تباين العصور والعقائد. ومنذ عام 2005، آل إرث هذا النهج ومحركه الفعلي إلى "الحرس الثوري" الإيراني، الذي أدار عبر ذراعه المحلية سياسة الانقضاض على الهوية الوطنية، ما جعل ثمار "الاستقلال الثاني" مبتورة؛ فاندحار "وصاية دمشق" لم يفضِ إلى سيادة ناجزة، بل أفسح المجال لولادة "وصاية الضاحية". ويعود تعثر هذا المسار إلى تضافر عاملين: داخلي تمثل في تشتت قوى "14 آذار" وتراجع زخمها، وخارجي ارتبط بجمود "الستاتيكو" الإقليمي الذي ظلّ، حتى عشية الثامن من تشرين الأوّل 2023، يميل لمصلحة محور "الممانعة".

على مدار عقدين من الزمن، لم تكتفِ العصابة الخارجة عن القانون "حزب الله" بتكريس نفوذه كقوة موازية، بل استفحل توغلها في مفاصل القرار اللبناني، مُحكمة قبضتها على المؤسسات الدستورية والأمنية. لقد مارس "الحزب" سياسة القضم الممنهج للدولة والأراضي والممتلكات والمشاعات، والبطش السياسي بكل محاولة لاستعادة زمام المبادرة، ما أدى إلى تبديد الآمال التي علقها اللبنانيون على استقلالهم الثاني وإنجاز السيادة التي طالما ناضلوا في سبيلها.

استطرادًا، لا بد من الإشارة إلى أن السيادة في مفهومها السياسي، لا تعني عزلة لبنان عن محيطه العربي والدولي، بل هي فعلُ توازنٍ يفترض انطلاقًا من المصلحة الوطنية، بناء تحالفات متينة مع دولٍ تخلو أجنداتها من المطامع الأيديولوجية التوسعية، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية بين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة، والمجتمعَين العربي والدولي من جهة أخرى؛ فالرياض وباريس وواشنطن على عكس طهران، لم تسعَ يومًا لتمويل ميليشيات موازية للدولة، أو إغراق بيروت في محور الكبتاغون والمخدرات، أو جرّ لبنان إلى حروب الوكالة ومنطق الساحات. جلُّ ما كانت تطلبه تلك الدول، هو تحصين لبنان عبر النأي بالنفس، وحصر السلاح بيد الدولة، والمضي في إصلاحاتٍ بنيوية. كما أن أولئك المنضوين تحت لواء "المحور" والذين تضج حناجرهم بشعارات "الموت لأميركا"، تراهم يبحثون لأبنائهم عن فرص حياة في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا وأسواق العمل الخليجية.

اليوم، وبعد واحد وعشرين عامًا كاد اليأس فيها أن يُطبق على قلوب اللبنانيين، هبّت عواصف التغيير من حيث لم يتوقعه السياديون ولا أهل "المحور". إنها لحظة إنصاف لنضال تاريخي عُقد بالتضحيات، وإعادة اعتبار لحلم "14 آذار". غير أن هذا الإنصاف ليس شيكًا على بياض، بل هو دعوة لعدم تكرار أخطاء الماضي؛ والوقوع في فخ "المسايرة". المعركة الآن هي معركة استرداد الدولة عبر تفكيك معاقل الدويلة، والعبور نحو نظام لامركزي سياسي يحمي التنوّع ويحصّن الكيان من أي إفرازات ممانعة مهما كانت تسمياتها مستقبلًا.