التحالف المُرهَق: من ذاكرة الدم إلى غضب عين التينة... هل يتصدّع الثنائي الشيعي؟

في خضم المشهد اللبناني المتقلّب، ثمة تحوّلات تُقرأ في ما بين السطور قبل أن تُعلَن على الملأ. فمنذ الأسابيع الأخيرة من عام 2025، باتت مؤشرات التحوّل في موقف حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري تتراكم، وإن ظلّت حذرةً في صياغتها العلنية. غير أن المعطيات الأخيرة كشفت أن ما كان صامتاً بات يقترب من الجهر؛ إذ تتشكّل ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين مكوّنات «الثنائي»، تتجاوز مجرد التكتيك لتلامس جوهر الرؤية لبقاء الدولة والكيان.

من «حرب الإخوة» إلى «زواج الضرورة» 

لا يمكن قراءة تداعيات اليوم دون استيعاب التاريخ المتشابك بين حركة أمل وحزب الله؛ فالعلاقة بين الطرفين لم تُبنَ على الوفاق الطوعي، بل نشأت من رحم المواجهة والدم. في الفترة الممتدة بين عامَي 1988 و1990، خاضت الحركة والحزب حرباً ضروساً فيما بات يُعرف بـ«حرب الإخوة»؛ معارك شوارع طاحنة في الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان، راح ضحيتها مئات القتلى من الجانبين، وخلّفت جروحاً في الذاكرة الشيعية لم تندمل كلياً حتى اليوم.
كانت جذور هذا الصراع أيديولوجيةً في جوهرها قبل أن تكون ميدانية. فحركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر في السبعينيات انبثقت من رحم لبنان وسعت إلى تمكين الشيعة داخل الدولة اللبنانية، في حين نشأ حزب الله في مطلع الثمانينيات بدعم إيراني مباشر حاملاً أيديولوجية ثورية عابرة للحدود، ترى في الدولة اللبنانية غطاءً لا غاية. وقد وصل التوتر بين الطرفين إلى حد أن نبيه بري تعرّض لمحاولات اغتيال متعددة يُشار إلى أن عناصر موالية لإيران نفّذتها، فيما استقاظت الخلافات على خلفية أحداث عدة أبرزها عملية خطف طائرة TWA عام 1985، التي هبطت في مطار بيروت الخاضع لسيطرة أمل دون تنسيق مع بري.
انتهت «حرب الإخوة» بوساطة سورية - إيرانية، ووُلدت «وثيقة التفاهم» التي رسّخت معادلة الثنائي الشيعي؛ تقاسم نفوذ لا اندماج هوية. أمل تحتفظ بسيطرتها على مجلس النواب والمؤسسات الرسمية، فيما يهيمن حزب الله على الجناح العسكري والأمني. هذا التقاسم الوظيفي صمد عقوداً، لكنه ظل رهين التوازنات الإقليمية لا الاقتناع الجوهري وهو ما يجعله قابلاً للاهتزاز كلما تزعزعت تلك التوازنات.

«فيتو» الصمت.. صراع الهوية بين الدولة والمحور 

أعلنت الحكومة اللبنانية في الثاني من آذار الماضي جملةً من القرارات المتعلقة بالسيطرة على السلاح خارج إطار الدولة، وقد صوّت وزراء حركة أمل لصالح هذه القرارات. لم يكن هذا التصويت مجرد إشارة عابرة، بل جاء توجيه بري لوزرائه في الحكومة للتصويت على قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله تعبيراً صريحاً عن توجه نحو رفع الغطاء السياسي عن الحزب، وهو ما يعكس تبايناً جوهرياً في «فلسفة البقاء».
بالنسبة لنبيه بري، تمثل «الشيعية السياسية» ركيزةً أساسية في نظام الطائف؛ فهو يرى أن قوة الطائفة تُستمد من انخراطها الكامل في مؤسسات الدولة. في المقابل، يتبنى حزب الله رؤية «عقائدية عابرة للحدود»، حيث الدولة اللبنانية مجرد «بيئة حاضنة» لمشروع المقاومة الإقليمي. هذا الشرخ الفكري بدأ يترجم سياسياً بصورة أوضح مما كان عليه في أي مرحلة سابقة، خاصة مع غياب «الضمانات الكاريزمية» التي كانت تحكم علاقة بري بقيادة الحزب السابقة، مما جعل لغة المؤسسات والتوازنات الميدانية هي الطاغية؛ فبري اليوم لا يفاوض شريكاً عاطفياً، بل يفاوض تنظيماً مثقلاً بالجراح.

نكث العهد.. الجرح الذي لا يُخفى

لا يمكن فهم عمق الأزمة الراهنة دون استحضار اللحظة الحاسمة التي سبقتها؛ فقد دفع حزب الله إلى نكث العهد الذي قطعه لبري قبل أشهر بعدم العودة إلى خيار الحرب، مما أورث رئيس المجلس شعوراً بالغضب والإساءة، وأفضى إلى وهنٍ حادٍّ في عرى التحالف التقليدي بين الطرفين. وقد باتت هذه «الخيانة الصامتة» في نظر بري هي الجرح الحقيقي الذي يُؤخّر كل محاولات «تنقية الأجواء».
أفادت معلومات موثوقة بأن بري لا يريد التحدث مع حزب الله في الوقت الراهن، في انتظار أن يهدأ من حالة الغضب الشديد التي يعتريه على خلفية ما أقدم عليه الحزب من قرار الحرب دون التنسيق معه. إن هذا الغضب المُعلَن أو شبه المُعلَن يمثل تحولاً نوعياً، إذ لم يكتفِ بري هذه المرة بالتعبير عن تبايناته في الغرف المغلقة، بل بات الشرخ يطفو على السطح بما يصعب إخفاؤه.

الانكسار خلف الأبواب.. كسر حاجز الأدب البرلماني

لعل أبلغ دليل على أن العلاقة بين طرفَي الثنائي لم تعد بالمتانة التي درج الإعلام على تصويرها، هو ما جرى داخل قبة البرلمان ذاته. فقد خاض نائب حزب الله علي فياض نقاشاً مطولاً وسجالاً علنياً اعترضه بري في محاولة لإسكاته، لكن النائب استمر ووصل تصعيده إلى حد قوله لرئيس المجلس: «أنت مش عارف شي»، فردّ بري مستاءً: «لا مش عم نعرف، قاعدين برا نحن».
هذا المشهد البرلماني النادر يكشف أن حرب الإسناد لم تُنهِ الحرب العسكرية فحسب، بل أنهت أيضاً ذلك الغلاف من الأدب المتبادل الذي كان يُعلن وحدة الثنائي أمام الرأي العام. بعد هذا السجال، لم تعد العلاقة بين بري والحزب إلى سابق عهدها من التواصل الطبيعي والانسيابي.

كارثة النزوح.. حين يهزم الواقع الشعارات

 لا يمكن قراءة موقف «عين التينة» بمعزل عن الأرقام الصادمة التي تصدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فمع تجاوز أعداد النازحين من الجنوب والضاحية حدوداً غير مسبوقة، لم يعد الضغط عسكرياً فحسب، بل صار وجودياً يهدد التماسك الاجتماعي للطائفة بأسرها.
هنا تبرز الفوارق الطبقية والاجتماعية بجلاء؛ فخلف جدران المدارس ومراكز النزوح، تدور معركة صامتة على الوعي. فبينما يرفع الحزب شعار «الصمود والمواجهة»، ترفع كوادر حركة أمل شعار «تأمين مقومات الحياة». جمهور الحركة، المرتبط عضوياً بالوظيفة العامة والتجارة المحلية، يجد نفسه اليوم بلا أفق، وبات النازح يبحث عن «ربطة الخبز» التي تؤمّنها الدولة أكثر من بحثه عن «بيانات الانتصارات». بري، ببراغماتيته المعهودة، يستشعر أن الاستمرار في تغطية «جبهة الإسناد» بلا سقف زمني قد يؤدي إلى «انتحار سياسي» لبيئته الحاضنة.

بري «خزان الأسرار».. الوسيط تحت حد السكين

يمثل نبيه بري اليوم القناة الدبلوماسية الوحيدة المقبولة دولياً للتفاوض. هو «الخيط الرفيع» الذي يتحدث معه الأميركيون والفرنسيون حين يوصدون الأبواب بوجه الحزب. وقد اكتسب بري في المرحلة الأخيرة بُعداً إضافياً لهذا الدور؛ إذ بات نقطة الارتكاز الوحيدة للطائفة الشيعية، مستنداً إلى «مظلة دولية وعربية» تحاول استعادة المكون الشيعي اللبناني إلى حضن الدولة بعيداً عن صراعات المحاور.
هذا التجاذب بين «الالتزام التاريخي بالثنائي» وبين «متطلبات الوساطة الدولية» هو ما يفسر التذبذب الملحوظ في خطاب «عين التينة»، غير أن كفة الوساطة الدولية والرغبة في حماية ما تبقى من كيان باتت تميل أكثر فأكثر.

الرهان على الجيش.. عودة إلى «المنطق اللبناني»

تتزايد التقارير حول تكليف الجيش اللبناني بمهام سيادية أوسع في الجنوب، وهو توجه يدعمه بري بقوة كبديل عن الفراغ القاتل. بالنسبة له، تقوية الجيش هي «طوق النجاة» الذي يشرعن بقاء الشيعة كشركاء أصيلين في القرار الأمني اللبناني، بعيداً عن اتهامات «الدويلة». بيد أن هذا الرهان يصطدم بمعضلة كبرى: هل يمكن للجيش بإمكاناته المنهكة أن يملأ فراغاً أمنياً خلّفته عقود من «تعددية السلاح»؟

الحزب يدافع.. و«تنقية الأجواء» في الميزان 

في مواجهة هذا التصاعد في حدة التباينات، لجأ حزب الله إلى استراتيجية دفاعية لافتة. فقد اعتبر محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب، أنهم لم يخذلوا حليفهم بري، في محاولة لاحتواء الشرخ قبل اتساعه. وسارع الحزب إلى طلب لقاء عاجل تحت عنوان «تنقية الأجواء»، وهو تعبير يُقرّ ضمنياً بأن ثمة كدراً يستوجب التصفية، غير أن بري لم يكن مستعجلاً على هذا اللقاء في ظل حالة الغضب التي يعتريه.

المسؤولية أمام التاريخ

يقف نبيه بري اليوم أمام أصعب اختبار في مسيرته الطويلة. هو يدرك أن الحفاظ على «وحدة الطائفة» لا يمكن أن يمر عبر تدمير «وحدة الوطن»، وأن الغضب الذي يعتريه ليس ترفاً انفعالياً، بل هو تعبير عن قناعة متجذرة بأن المرحلة القادمة لا تحتمل الاستمرار في المشي على الحبل الرفيع ذاته. فدماء النازحين ودموعهم، مضافاً إليها ثقل الوعود المكسورة، باتت تشكل ضغطاً أخلاقياً وسياسياً لم يعد بإمكان أي قيادة تجاهله، معلنةً بذلك بداية النهاية لـ «تحالف الضرورة» وبحثاً شاقاً عن عقد اجتماعي جديد يقي الطائفة والوطن خطر الانمحاء.