التقدم الإسرائيلي جنوباً يضغط على مفاوضات واشنطن

تدخل التطورات الميدانية في جنوب لبنان مرحلة بالغة الخطورة والتعقيد مع استمرار التقدم الإسرائيلي وسيطرته على مزيد من النقاط الاستراتيجية شمال نهر الليطاني، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الجولة الجديدة من المفاوضات السياسية المباشرة في واشنطن، باعتبارها محطة مفصلية لتحديد ما إذا كان المسار التفاوضي قادرا على وقف التدهور الأمني أم أن الوقائع العسكرية ستفرض نفسها على طاولة التفاوض.

وكشفت معطيات سياسية لـ «الأنباء» أن إسرائيل تحاول استثمار التقدم الميداني الذي حققته خلال الأسابيع الأخيرة لتحسين شروطها التفاوضية، عبر تكريس وقائع جديدة على الأرض تمنحها أوراق قوة إضافية خلال المباحثات المرتقبة.

فالتوسع العسكري الذي وصل إلى مشارف النبطية، وما رافقه من عمليات هدم وتجريف وتدمير للبنى التحتية والمنازل والمرافق العامة، ينظر إليه في بيروت جزءا من استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم المشهد الأمني والجغرافي في المنطقة الحدودية وفرض معادلات جديدة قبل التوصل إلى أي تفاهم سياسي.

وأكدت أوساط مواكبة للاتصالات الجارية «ان الجانب اللبناني دخل المفاوضات انطلاقا من أولوية واضحة تتمثل في وقف إطلاق النار أولا، باعتبار أن استمرار العمليات العسكرية يمنع أي نقاش جدي حول الملفات الأخرى المرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإعادة الإعمار. إلا أن رفض إسرائيل الاستجابة للطلب اللبناني بوقف النار خلال الجولة الأمنية التي عقدت في واشنطن يعكس وجود تباين عميق بين الطرفين حول ترتيب الأولويات وآلية الوصول إلى أي تسوية محتملة».

وأشارت مصادر متابعة إلى أن «إسرائيل تبدو مقتنعة بأن عامل الوقت يعمل لمصلحتها طالما أنها تواصل تحقيق مكاسب ميدانية من دون مواجهة عسكرية واسعة النطاق، فيما تراهن بيروت على أن الولايات المتحدة لن تسمح بانهيار المسار التفاوضي الذي ترعاه بنفسها، لما لذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمي وعلى المشروع الأميركي الرامي إلى فتح مسار تفاوضي أوسع بين لبنان وإسرائيل».

وتكتسب الجولة السياسية المرتقبة أهمية إضافية لأنها ستبنى على نتائج الاجتماع العسكري الذي استضافه الپنتاغون بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية. وبحسب التقديرات الديبلوماسية، فإن «الجانب الأمني وضع إطارا أوليا للنقاش، إلا أن القرارات الحاسمة تبقى من اختصاص المستوى السياسي القادر وحده على اتخاذ قرارات تتعلق بوقف العمليات العسكرية أو تحديد مستقبل المناطق التي شهدت مواجهات خلال الأشهر الماضية».

في موازاة ذلك، يزداد الضغط الداخلي اللبناني مع اتساع رقعة النزوح وتفاقم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب، ما يدفع الحكومة إلى التشديد على أن خيار التفاوض، رغم صعوبته وعدم وجود ضمانات مسبقة لنجاحه، يبقى أقل كلفة من استمرار المواجهة المفتوحة. ويستند هذا التوجه إلى قناعة متنامية لدى أوساط رسمية بأن «استعادة الاستقرار وإطلاق عملية إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم تمر حكما عبر تسوية سياسية تضمن وقف النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية».

غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها لدى الحكومة الإسرائيلية. فالمشهد الحالي يوحي بأن إسرائيل تسعى إلى التفاوض من موقع المتقدم ميدانيا، بينما يحاول لبنان منع تحويل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية إلى مكتسبات سياسية دائمة. وبين هذين المسارين، تبدو الأيام الفاصلة عن اجتماعات واشنطن حاسمة، إذ إن أي تقدم إضافي على الأرض قد يرفع سقف المطالب الإسرائيلية، فيما قد يشكل أي ضغط أميركي فعلي فرصة لإطلاق مسار يؤدي إلى وقف النار وفتح الباب أمام تسوية أوسع تعيد تثبيت الاستقرار في الجنوب وتمنع انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدا.