المصدر: أساس ميديا
الكاتب: أيمن جزيني
الأربعاء 13 أيار 2026 07:05:24
“لا حاجة إلى الثبات في الجغرافيا”، وأخيراً قالها الأمين العامّ لـ”الحزب”، الشيخ نعيم قاسم. قالها وأرغم الجنوبيّين عليها، فنقلهم من بيوتهم وقراهم وبلداتهم إلى اللاجغرافيا ولأجلٍ لا يعرفه إلّا هو و”الراسخون” خلفه ومعه. في المقابل، يتشكّل لدى النازحين والمهجّرين خطابٌ آخر، جوهره المطالبة بالعودة إلى الجغرافيا التي اقتُلعوا منها: قراهم، دساكرهم، وأبواب رزقهم.
في بيانه ما قبل الأخير، وقد انتقلنا من زمن الخطابات المطوّلة والرنّانة إلى زمن البيانات والمراسلات وآخرها رسالته إلى “المقاومين” أمس، قال الشيخ قاسم إنّ المقاومة “اختارت أساليب تنسجم مع المرحلة واستفادت من الدروس والعبر”، وأردف موضحاً أنّ من بين الدروس والعبر تلك اكتشاف أنّه “لا توجد حاجة إلى الثبات في الجغرافيا، فالمقاومون يأتون من أماكن كثيرة في لبنان وينالون أسلحتهم المناسبة، ويعملون بأسلوب الكرّ والفرّ لإيقاع أكبر عدد من الخسائر بجنود العدوّ وضبّاطه، ولمنعه من الاستقرار في الأرض التي احتلّها. فلا وجود لخطّ أصفر ولا منطقة عازلة، ولن يكون”.
نكران “الحزب” وتجلّياته
نفيُ قاسم وجود خطّ أصفر ومنطقة عازلة لا ينفي وجود الأخيرَيْن، فهو نفي يفيد التأكيد ويفيد، أبعد من ذلك، بأنّ “الحزب” دخل في مرحلة نكران واضحة للمتغيّرات التي شهدها لبنان والمنطقة منذ حرب المقتلة الأخيرة التي جرّها على لبنان بإسناده حركة حماس وبعض الفصائل الفلسطينيّة بُعيد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل من عام 2023.
ما إسناده جمهوريّة الوليّ الفقيه في إيران وفتحه جبهةً ضدّ إسرائيل من جنوب لبنان وبقاعه، أخيراً في 2 آذار الماضي، في ظلّ موازين القوى القائمة، إلّا بعض نتائج هذا النكران وتجلّياته.
لكنّ اللافت في جملة قاسم هذه إعلانه التخلّي عن الحاجة إلى الجغرافيا، وهو عمليّاً أصدق ما ورد في بيانه. إذ تختزل هذه العبارة عمليّاً تاريخاً طويلاً لـ”الحزب” مع الجغرافيا، وتنبئ بمستقبل عابر للمكان اجتراراً للماضي الذي لم يجرّ عليه وعلى اللبنانيّين عموماً، وأهل الجنوب خصوصاً، غير الويلات.
“الحزب” والجغرافيا
بنى “الحزب” “مجده” عمليّاً على الجغرافيا منذ نشوئه. انتصر حين ضاقت جغرافيته التي كانت محدّدةً بـ”الشريط الحدوديّ” الذي أنشأته إسرائيل بدءاً من عام 1978، وانسحبت من غالبيّته عام 2000، وبدّد ما بنى يوم انتقل إلى جغرافيا أو جغرافيات أخرى أوسع وأبعد.
بنى بيئةً حاصنةً يوم كانت هذه البيئة هدفه وتحريرها وأرضها مبتغاه. يومها كان مقاومةً. كانت هناك أرض محتلّة وأناس يرزحون تحت نير الاحتلال، وبعدها صار ذراعاً إيرانيّةً عابرةً للجغرافيا، من العراق إلى اليمن مروراً بسوريا وجغرافيات أخرى.
“لا حاجة إلى الثبات في الجغرافيا” ليست شعاراً عابراً أو آنيّاً، بل سياسة طبّقها “الحزب” منذ عقود، منذ أيّام البوسنة فالعراق ثمّ سوريا واليمن وغزّة.
صار “الحزب” حزباً عابراً للجغرافيا، للأمكنة كلّها، ناشداً في هذا وذاك مكاناً بعينه هو القدس، أي رافعاً لواء جغرافيا لم تطأها أقدام مقاتليه ولا رأتها عيونهم إلّا في صور أو مقاطع مصوّرة.
يدنو “الحزب” بتخلّيه عن الجغرافيا أكثر من عقيدته، من نظريّة ولاية الفقيه غير المقيّدة بمكان التي تستمدّ قوّتها عمليّاً أيضاً من اللازمان أو من الزمان المطلق، زمن الإمام الثاني عشر الذي يخرج في آخر الزمان.
“الحزب” عمليّاً هو نتاج “تصدير الثورة” الإيرانيّة التي قام بها الإمام الخمينيّ عام 1979، ولا يرتبط تصدير الثورة بمكان وإن دلّ على تصديرها إلى أمكنة وبيئات بعينها، فهو ينتمي إلى الثورة وصادراتها في كلّ مكان وزمان أكثر ممّا ينتمي إلى مكان بعينه. ما تنقُّل “الحزب” من لبنان إلى البوسنة فالعراق واليمن مروراً بسوريا، على امتداد تاريخه، دفاعاً عن حلفاء “الثورة” التي صارت نظاماً بأذرع كثيرة، سوى دليل فاقع على ما سبق.
“الحزب” وأهل الجغرافيا
إذا كان تفلّت “الحزب” من الجغرافيا على مدار عقود قد جرّ إليه “نِعَمَ” مصدِّره وراعيه وداعمه، أي نظام الوليّ الفقيه، فإنّه في الوقت عينه جلب عليه نقمة أهل الجغرافيا أنفسهم، ولو بعد حين.
آخر ما شهدناه من هذه النِقَم نقمة السوريّين عليه، نظاماً وشعباً. وأحدث فصولها أنّه يخوض اليوم معارك في الجنوب بلا جغرافيا إسناداً لإيران، فهو محاصر من أربع جهات الأرض من الحدود السوريّة إلى الحدود مع الشرعيّة اللبنانيّة، علاوة على الحدود مع إسرائيل والبحر.
يبدو اليوم أنّنا أمام نقمة جنوبيّة عارمة عليه قد تشتدّ في الأيّام المقبلة، خاصّةً في اليوم التالي للحرب، حين يعود الجنوبيّون إلى ما كان بيوتهم وقراهم وبلداتهم، إلى الجغرافيا التي لم يعُد “الحزب” بحاجة إلى الثبات فيها، بينما لا حاجة للجنوبيّين إلّا إليها، فهي “الحيلة والفتيلة” بالنسبة لهم.
عبث “الحزب” بالجغرافيا حتّى دمّرها، ثمّ أعلن أنّه ليس في حاجة إلى الثبات فيها. الأرجح أن يعود الجنوبيّون بعد حين إلى زمان “الحزب”، لا إلى مكان بعينه، وهو زمان فيه ممّا كان أكثر ممّا هو موجود، وفيه من “الأمجاد” أكثر ممّا فيه من الحقائق. أمّا المكان فركام ومقابر.
اللاجغرافيا قسراً
أبعد من ذلك، وقبل العودة أو قبل اليوم التالي للحرب، إعلان “الحزب” على لسان أمينه العامّ انتفاء حاجته إلى الثبات في الجغرافيا هو إعلان فرضه على أهل الجغرافيا أنفسهم قسراً، وأرغمهم عليه.
انعكست اللاحاجة إلى الثبات في الجغرافيا تهجيراً ونزوحاً لأكثر من مليون لبنانيّ يفترشون المدارس والأرصفة ويقيمون في جغرافيا لا حاجة لهم ولا رغبة لديهم في الثبات فيها. فيما لا يثبت مقاتلو “الحزب” بأسلحتهم في مكان، يُكره “الحزب” الجنوبيّين والبقاعيّين وأهل الضاحية الجنوبيّة لبيروت، النازحين قسراً عن بيوتهم، على عدم الثبات في جغرافيا بعينها.
هم البيئة الحاضنة، ومن حضن شيئاً انتمى إليه ونحا نحوه وسار على مساره، فصار على شاكلته يتنقّل من مكان إلى مكان من دون حاجة إلى الثبات في جغرافيا بعينها، وإنّما الثبات المطلوب والمنشود عند “الحزب” هو الثبات على العقيدة، على الولاء لوليّ الأمر، وهو هنا ممثّل الوليّ الفقيه الإيرانيّ، فإن يمّم شطر سوريا يمّموا شطرها، وإن قصد اليمن قصدوها معه، وإن خاض البحر خاضوه معه على ما تقول الأنشودة الشهيرة، وإن التزم مكانه قادهم إلى اللامكان، إلى اللاجغرافيا.
ينسجم “الحزب” في ما سبق مع عقيدته ويجبر اللبنانيّين عموماً وأهل بيئته على وجه الخصوص على الانسجام معه ومعها، وهي عقيدة تصلح لكلّ زمان ومكان، الثابت فيها هو آخر الزمان، وآخر الزمان هذا مكان وزمان في آن. في العقيدة أيضاً مكان آخر ثابت لا يتزحزح: الجنّة، وزمان ثابت اسمه الموت، الأمكنة والأزمنة الباقية تفاصيل صغيرة لا حاجة إلى الثبات فيها أو عليها.