الجنوب على خطّ "الرسائل النارية": حرب استنزاف تربك الاستقرار

تغيّر المشهد جنوبًا. لم يعد هناك ما يشبه الحرب المفتوحة، بل حرب استنزاف بكلّ ما للكلمة من معنى، وحرب تهديد لاستقرار الناس الذين يحاولون التعايش مع واقعهم الحالي دون جدوى. تصعيد متواصل ورسائل ناريّة يوجّهها الجيش الإسرائيلي للدفع نحو مرحلة جديدة شمالي نهر الليطاني، عنوانها نزع سلاح "حزب اللّه".

لم يكن مساء الأربعاء الأخير عاديًا. يوم التحذيرات الأعنف كان الأصعب على أبناء القرى الجنوبية، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب بركان من الغارات التي وُصفت بأنها الأشدّ قسوة، وتزامنت مع موجة صقيع قاسية ضربت المنطقة.

عمليًا، دخل الجنوب اللبناني مرحلة يمكن توصيفها بـ "خط الرسائل النارية". فما حصل الأربعاء قد يتكرّر، وربّما أكثر تصعيدًا، بحسب ما تقول أوساط عسكرية لصحيفة "نداء الوطن". فإسرائيل تستخدم اليوم الغارات كسلاح ضغط فتاك. ويربط مصدر عسكري هذا الواقع بتوقف عمل لجنة "الميكانيزم"، التي تضغط عبرها إسرائيل لتوسيع التمثيل اللبناني، تمهيدًا للدخول في تفاوض مباشر معها. ووفق المصدر نفسه، فإن تصاعد وتيرة التصعيد يندرج في سياق واحد، هدفه إضعاف "حزب اللّه" نهائيًا وسحب سلاحه ولو بقوّة النار.

المشهد في القرى بعد الغارات مختلف: صمت، حيرة، وتساؤلات عمّا بعد هذا التصعيد، وأي منزل سيكون الهدف التالي. واقع بات يسبق أيّ حديث، بعدما أصبحت الإنذارات الحدث الأبرز.

في الكفور، كما في أنصار وجرجوع، الدمار هو العنوان. أهالٍ عادوا ليرفعوا ركام ما تبقى من منازلهم. لم تعد القضيّة مجرّد دمار منزل هنا أو مجمع سكني هناك، بل بات السؤال: ماذا بعد؟ وهل سيطول هذا السيناريو؟

في الكفور، لا كلام يعلو على سؤال: ماذا استهدف الإسرائيلي؟ جالت "نداء الوطن" على المبنى المستهدف في حيّ سكنيّ تضرّرت غالبية منازله. لم يكن الدمار محصورًا بمنزل واحد، بل طال حيًّا كاملًا. في هذا الحيّ المتضرر، يخيّم الصمت. الجميع يحصي الأضرار، يلقي نظرة على ما حصل، والسؤال من التالي؟

وخلّفت الغارات التي استهدفت الكفور، وأنصار، وجرجوع، وصولًا إلى الخرايب، أضرارًا كبيرة في الممتلكات والمنازل والمحال التجارية. ففي أنصار، استهدفت غارة فيلا تقع وسط السوق التجارية للبلدة، ما أدّى إلى أضرار جسيمة قُدّرت بآلاف الدولارات، في منطقة تجارية بامتياز.

ولم تقتصر المأساة على الأضرار الماديّة، إذ سقط الفتى علي الأكبر حسن بيطار (13 عامًا) من سطح منزله في الطابق الرابع في حي المقاصد في مدينة النبطية، أثناء متابعته القصف الذي استهدف منطقتي جرجوع والكفور، بعدما انزلقت قدمه.

في موازاة ذلك، عملت فرق من مهندسي وموظفي مجلس الجنوب على الكشف على الأضرار الناتجة عن الغارات الإسرائيلية، وتأمين المساعدات للنازحين من بلدات جرجوع والكفور وأنصار في قضاء النبطية، وقناريت والخرايب في قضاء الزهراني. وباشرت الفرق، بتوجيه من رئيس المجلس هاشم حيدر، عمليات المسح والكشف على المنازل والمباني والبنى التحتية المتضرّرة بشكل فوري.