الجيش أمام استحقاق الجنوب : مؤتمر باريس ومعركة آلية التحقّق

تدخل المؤسسة العسكرية اللبنانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة استحقاقات مترابطة: مؤتمر باريس المقرر في السابع عشر من أيلول، وجولة المفاوضات الجديدة المرتقبة حول المناطق التجريبية وآلية التحقق، ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهام اليونيفيل. وفي موازاة هذه الملفات، تتقدم التطورات الميدانية في مرتفعات علي الطاهر لتفرض نفسها ورقة ضغط عسكرية وسياسية على طاولة التفاوض.
مصادر عسكرية تكشف لـِ "المدن" أنَّ مؤتمر السابع عشر من أيلول لا يشكل مؤتمر الدعم النهائي للجيش، بل محطة تحضيرية يشارك فيها قادة جيوش عربية وأجنبية، بهدف الاستماع إلى حاجات المؤسسة العسكرية ورفعها إلى حكومات الدول المعنية، تمهيداً لاتخاذ قرارات سياسية ومالية في مرحلة لاحقة.
ووفق المصادر، جاءت الجولات الخارجية التي قام بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ولا سيما إلى إيطاليا والأردن، في إطار حشد الدعم للمؤسسة العسكرية وشرح حجم المهمات الملقاة على عاتقها، بالتوازي مع البحث، ولا سيما في إيطاليا، في آلية التحقق المفترض إعتمادها في الجنوب، وفي الصيغة التي قد تخلف اليونيفيل إذا تعذر تمديد مهمتها.

 

حاجات تتجاوز الوعود
تقول المصادر العسكرية إنَّ لائحة حاجات الجيش باتت واضحة، وهي لا تقتصر على المساعدات التقليدية أو صيانة المعدات القديمة، بل تشمل إنشاء مراكز قيادة وسيطرة وغرف عمليات متطورة، وربطها بالمراكز الفرعية المنتشرة في الجنوب، وتأمين آليات عسكرية ولوجستية قادرة على العمل في المناطق الحدودية.
كما يريد الجيش طائرات مسيّرة للاستطلاع والمراقبة، ورادارات قادرة على رصد مصادر إطلاق المقذوفات وتحديدها فوراً، بما يسمح بضبط أي مجموعات مسلحة قد تحاول استخدام الجنوب لإطلاق الصواريخ. وتشمل المطالب أيضاً آليات هندسية ومعدّات متخصّصة في إزالة الألغام ومخلّفات الحرب، إضافة إلى تطوير قدرات الاتصالات والمراقبة والاستطلاع، ودعم القوات البحرية والجوية وصيانة تجهيزاتها.
وترى المصادر أن حصول الجيش على نحو عشرين في المئة من هذه الحاجات قد يتيح له تنفيذ جزء أساسي من المهمات المطلوبة، ولا سيما إذا توسعت رقعة انتشاره جنوباً أو اضطر إلى تعويض جزء من الخدمات اللوجستية والهندسية والطبية التي كانت توفرها اليونيفيل.
وتبرز فرنسا والأردن في طليعة الدول المتحمسة لإنجاح المؤتمر، فيما يتوقف حجم النتائج على مستوى التمثيل الأميركي وطبيعة الالتزامات التي ستقدمها واشنطن. كما يُنتظر أن يكون لإيطاليا وإسبانيا وقطر حضور في مسار الدعم، سواء عبر مساعدات مباشرة أو من خلال نقل تجهيزات عسكرية خرجت من الخدمة لدى بعض الجيوش، بعد صيانتها وتحديثها والحصول على موافقة الدول المصنّعة.
وتشير المصادر إلى أنَّ الأردن يتبنى مقاربة واضحة تقوم على أن مطالبة الجيش بتنفيذ مهمات إضافية يجب أن تسبقها عملية دعم فعلية، فيما تبقى الولايات المتحدة الشريك الأكبر للمؤسسة العسكرية، لكن الجزء الأساسي من مساعداتها الحالية يضمن استمرار الجيش أكثر مما يمنحه القدرة على تطوير إمكاناته النوعية.

 

البحث عن قوة بديلة
لا يزال لبنان، وفق  المصادر العسكرية ومصادر رئاسة الجمهورية، متمسكاً حتى اللحظة الأخيرة ببقاء اليونيفيل، لما يوفره وجودها من دعم لوجستي وهندسي وطبي، ولما تمثله من شاهد دولي على ما يجري في المنطقة الحدودية، وخصوصاً داخل المناطق التي يتعذر على الجيش أو المدنيين الوصول إليها.
فانسحاب القوة الدولية من دون إيجاد بديل سيترك فراغاً رقابياً خطيراً، في وقت تتواصل فيه عمليات التجريف والتفجير والتدمير الإسرائيلية. وغياب الجهة الدولية القادرة على التوثيق سيجعل ما يجري في بعض المناطق بعيداً عن الرقابة المستقلة.
وفي هذا السياق، يحاول الجيش مدعوما من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، العمل على مسارين. يقوم الأول على الإفادة من المرحلة الانتقالية الممتدة خلال العام 2027، عبر محاولة إبقاء وحدات من اليونيفيل في وضع تنفيذي، لا مجرد قوة تستعد للانسحاب. أما المسار الثاني، والأكثر واقعية في حال تعذر التمديد، فيتمثل في إنشاء قوة أوروبية تقودها فرنسا أو إيطاليا، وتعمل تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، مع ارتباط وظيفي بمكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان وتنفيذ القرار 1701.
وقد تضم هذه الصيغة دولاً أوروبية عدة، على أن تتولى فرنسا أو إيطاليا القيادة نظراً إلى خبرتهما الميدانية داخل اليونيفيل. لكن قيام القوة البديلة يبقى مشروطاً بتحديد تفويضها القانوني ومرجعيتها وقواعد اشتباكها ومناطق انتشارها والضمانات الأمنية المقدمة لعناصرها.

 

التحقق من دون آلية 
تصف المصادر العسكرية آلية التحقق بأنها «العقدة المركزية» في أي جولة تفاوض مقبلة. فالجيش لا يعارض مشاركة دول أجنبية في هذه الآلية، لكنه يضع شروطاً تحول دون تحوّلها إلى قوة وصاية أو جهاز موازٍ للمؤسسة العسكرية على الأراضي اللبنانية.
ويطالب الجيش بأن تكون عملية التحقق متبادلة، فلا تقتصر على مراقبة الجانب اللبناني أو البحث عن السلاح، بل تشمل التأكد من الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات وأعمال القصف والتجريف والتدمير، ومنع القوات الإسرائيلية من العودة إلى المناطق التي تنسحب منها. كما يصر على أن تعمل اللجنة بالتنسيق الكامل معه وتحت مواكبته، وأن تكون مهمتها مساعدة الجيش لا الحلول مكانه. وتطالب المؤسسة العسكرية أيضاً بضمانات تمنع عودة أي مجموعات مسلحة إلى المناطق التي يتسلمها الجيش، بالتوازي مع منع إسرائيل من إعادة التوغل فيها.
لكن الخلاف لا يقتصر على الصلاحيات، بل يطاول ترتيب الخطوات التنفيذية. فإسرائيل تريد، بحسب المصادر، إخلاء المنطقة من المسلحين والسلاح، ثم إدخال لجنة التحقق للتأكد من خلوّها، قبل انتشار الجيش وعودة الأهالي وبدء الإعمار. أما الجيش فيتمسك بأن تتزامن عودة السكان مع انتشاره وسيطرته على المنطقة، من دون إبقائهم رهائن للجان وتقارير قد يستغرق إنجازها وقتاً طويلاً.

 

وفد سياسي يواكبه العسكريون
تتوقع المصادر عقد جولة جديدة من المفاوضات برئاسة الوفد السياسي وفي عداده الوفد العسكري. سيحمل العسكريون إلى الطاولة تصورهم التفصيلي بشأن تركيبة لجنة التحقق وصلاحياتها وآلية عملها وضمانات انتشارها وتنسيقها مع الجيش.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تريد دفع اتفاق الإطار قدماً، لكنها لا تمارس حتى الآن ضغطاً بالحجم الكافي لحسم المماطلة الإسرائيلية. ومع ذلك، ثمة توقعات بأن تكون الجولة المقبلة أكثر إنتاجية من سابقاتها، وخصوصاً في ملف آلية التحقق، لأن إطلاق هذه الآلية من شأنه أن يفتح الباب أمام توسيع تجربة المناطق التي يتسلمها الجيش.
سياسياً، بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، فإنّ نجاح أي ترتيبات أمنية يتطلب تلازماً بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش ووقف الاعتداءات وعودة الأهالي. فأي فصل بين هذه العناصر قد يحوّل المناطق التجريبية إلى أحزمة عازلة طويلة الأمد، بدلاً من أن تكون نموذجاً لاستعادة الدولة سيادتها وإعادة الحياة إلى القرى الحدودية.

 

ضغط ميداني لتحسين شروط التفاوض
بانتظار تحديد استكمال مسار التفاوض، من الواضح أن إسرائيل تستخدم تقدمها الميداني لرفع سقف شروطها قبل المفاوضات، لكنها تستبعد قدرتها على تحويل احتلال مناطق لبنانية إضافية إلى واقع مستقر ودائم.
في المقابل، يواجه لبنان تحدياً داخلياً لا يقل تعقيداً، يتمثل في تثبيت مرجعية الدولة وحصرية قرار السلم والحرب، من دون أن تتحول هذه العملية إلى غطاء لاحتلال إسرائيلي أو إلى مطالبة الجيش بتنفيذ مهماته تحت النار.
من هنا، يصبح مؤتمر دعم الجيش جزءاً من معركة سياسية وسيادية تتجاوز مسألة التجهيز. فالمطلوب دولياً من المؤسسة العسكرية أن تنتشر، وتراقب الحدود، وتمنع إطلاق الصواريخ، وتتسلم المواقع، وتزيل مخلفات الحرب، وتضمن الأمن بعد إنسحاب اليونيفيل. لكن تنفيذ كل ذلك يبقى مستحيلاً ما لم يقترن بدعم نوعي، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب واضح بضمانات دولية.
لذلك، تضع مصادر مطلعة على أجواء رئيس الجمهورية الحملات التي تستهدف بعبدا والجيش وقيادته في إطار ثلاثة عوامل: التشويش على مساعي الرئيس ومؤتمر الدعم، ورفض المؤسسة العسكرية التنسيق المباشر مع إسرائيل، ومحاولات دفعها إلى تنفيذ عمليات تفتيش أو مداهمات خارج الأطر القانونية. 

فالرئيس عون يرفض إقحام الجيش في مواجهة داخلية أو تكليفه مهمات تتجاوز صلاحياته والقوانين المرعية، ويتمسك بأن يكون تطبيق حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة مساراً مؤسساتياً تواكبه السلطة السياسية وتتحمل مسؤوليته، لا عبئاً يُلقى على المؤسسة العسكرية وحدها. كما يصر على تلازم انتشار الجيش مع وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وعلى تأمين الدعم الدولي الذي يمكّن المؤسسة من تنفيذ مهماتها، من دون فرض تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي أو إنشاء أي قوة موازية لها. 

وفي هذا المشهد، يجد الجيش نفسه بين ضغوط إسرائيل وأطماعها من جهة، وملف سلاح حزب الله وحساباته الداخلية من جهة أخرى، فيما يعمل رئيس الجمهورية على تثبيت الجيش بوصفه الأداة الشرعية الأساسية لاستعادة السيادة ومنع انزلاق الجنوب إلى مواجهة جديدة، لا طرفاً في صراع داخلي أو غطاءً لترتيبات تُنتقص فيها صلاحيات الدولة.